عدة الصابرين

فصل

وسابعها: أن عاشقها ومحبها الذي يؤثرها على الآخرة من أسفه الخلق وأقلّهم عقلًا١، إذ آثر الخيال على الحقيقة، والمنام على اليقظة، والظل الزائل على النعيم الدائم، والدار الفانية على الدار الباقية، وباع حياة الأبد في أرغد عيش بحياة إنما هي

أحلامُ نومٍ أو كظلٍّ زائلٍإنّ اللبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ٢

كما نزل أعرابي بقوم فقدّموا له طعامًا فأكل، ثم قام إلى ظل خيمة فنام، فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس، فانتبه وهو يقول:

وإن امرأً دنياه أكبرُ همّهلَمستمسكٌ منها بحبل غرورِ٣

وكان بعض السلف يتمثل بهذا البيت:

يا أهلَ لذّاتِ دنيا لا بقاء لهاإن اغترارًا بظلّ زائل حمق٤
  1. (١) في الأصل بعد هذه الكلمة زيادة: "ومحبها الذي يؤثرها". وحذفها أصوب، وهو بذلك يوافق النسخ الثلاث الأخرى، واللَّه أعلم.
  2. (٢) من أربعة أبيات لعمران بن حطّان الخارجي في "روضة العقلاء" لابن حبان ص (٢٨٧).
  3. (٣) نسب هذا البيت لهاتف من الهواتف في: "الهواتف" لابن أبي الدنيا رقم (٨٨)، و"ذم الدنيا" له أيضًا رقم (٢٦) وهو يشبه بيتًا للشويعر الحنفي -وقد أنشده له ثعلب- صدره:
    وإن الذي يمسي ودنياه همّه
    انظر: "المؤتلف والمختلف" للآمدي ص (٢١٠).
  4. (٤) روى ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٢٤)، عن الحسن بن على أنه كان كثيرًا ما ينشده.
435

قال يونس بن عبد الأعلى: "ما شبّهت الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحبّ، فبينا هو كذلك انتبه"١.

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو على الطائي حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن ليث قال: رأى عيسى ابن مريم الدنيا في صورة عجوز عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوّجت؟ قالت: لا أحصيهم، قال: فكلُّهم مات عنك أو كلهم طلّقك؟ قالت: بل كلُّهم قتلتُه. فقال عيسى: "بؤسًا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين كيف تهلكينهم واحدًا واحدًا، ولا يكونوا منك على حذر"٢.

أرى أشقياء الناس لا يسأمونهاعلى أنهم فيها عراة وجُوَّعُ
أراها وإن كانت تُحَبّ فإنهاسحابة صيف عن قليل تَقشّعُ٣

أشبه الأشياء بالدنيا الظلّ، تحسب له حقيقة ثابتة وتحسبه ساكنًا، وهو في تقلّص وانقباض، وتتبعه لتدركه فلا تلحقه.

وأشبه الأشياء بها السراب ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ٣٩﴾ [النور: ٣٩].

وأشبه الأشياء بها المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره، فإذا

  1. (١) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٢١)، عن يونس بن عبيد.
    فلعل ما وقع هنا من نسبته ليونس بن عبد الأعلى خطأ، واللَّه أعلم.
  2. (٢) "ذم الدنيا" رقم (٢٧).
  3. (٣) البيتان لعمران بن حطان الخارجي، انظرهما في: "ذم الدنيا" لابن أبي الدنيا رقم (١٩٠) و(٢٤٠)، و"حلية الأولياء" (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، و"تاريخ دمشق" (٤٣/ ٤٩٧).
436

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي