عدة الصابرين

وإلى هذا أشار المسيح بقوله: "الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها"١.

وهذا مثل صحيح؛ فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهد هو الركن الأول على أول القنطرة، واللحد هو الركن الثاني على آخرها، ومن الناس من قد قطع نصف القنطرة، ومنهم من قد قطع ثلثيها، ومنهم من لم يبقَ له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها، وكيف ما كان فلا بد من العبور، فمن وقف يبني على القنطرة ويزيّنها بأصناف الزينة وهو يستحث العبور، فهو في غاية الجهل والحمق.

فصل

المثال الثاني: شهوات الدنيا في القلب كشهوات الأطعمة في المعدة، وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنّتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت في المعدة غايتها. وكما أن الأطعمة كما كانت ألذّ طعمًا وأكثر دسمًا وأكثر حلاوة كان رجيعها أقذر، فكذلك كل شهوة كانت في النفس ألذّ وأقوى فالتّأذّي بها عند الموت أشد، كما أن تفجع الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب.

وفي "المسند" أن النبي ﷺ قال للضحاك بن سفيان: "ألست تُؤتى بطعامك وقد مُلِّح وقُزِّح ثم تشرب عليه اللّبن والماء؟! " قال: بلى، قال: "فإلامَ يصير؟ " قال: إلى ما قد علمت. قال: "فإن اللَّه ﷿ ضرب مثل الدنيا لما يصير إليه طعام ابن آدم"٢.

  1. (١) سبق قوله: "اعبروها ولا تعمروها" قريبًا.
  2. (٢) "المسند" (٣/ ٤٥٢) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن =
445

وكان بعض السلف يقول لأصحابه: "انطلقوا حتى أريكم الدنيا. فيذهب بهم إلى مزبلة، فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم"١.

فصل

المثال الثالث لها ولأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة، وما يعقبهم من الحسرات.

مثَلُ أهلها في غفلتهم مَثَلُ قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاّح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذرهم الإبطاء وخوّفهم مرور السفينة، فتفرّقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده.

  1. = الضحاك، ولفظه: "يا ضحاك ما طعامك؟ قال: يا رسول اللَّه اللحم واللبن. قال: ثم يصير إلى ماذا؟ قال: إلى ما قد علمت. قال: فإن اللَّه ﵎ ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلًا للدنيا".
    قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٨٨): "رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير علي بن زيد بن جدعان وقد وُثق".
    قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٧٨): "رواه أحمد، ورواته رواة الصحيح إلا علي بن زيد بن جدعان".
    وعلي بن زيد بن جدعان، لخص الحُكْمَ فيه الحافظ في "التقريب" ص: (٦٩٦) بقوله: "ضعيف".
    وقد سبق ص: (٣٣١) نحوه من حديث أبي بن كعب.
  2. (١) رواه: ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٦/ ٨٢)، عن مسروق.
    ورواه: ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٦٢)، وفي "قصر الأمل" رقم (٢٩٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/ ٣٢٤)، عن بشير بن كعب.
446

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي