المثال السادس: تمثيله لها ﷺ بمدخل إصبعه في اليمّ١، فالذي يرجع به إصبعه من البحر، هو مثل الدنيا بالنسبة إلى الآخرة.
وهذا أيضًا من أحسن الأمثال؛ فإن الدنيا منقطعة فانية، ولو كانت مدتها أكثر مما هي، والآخرة أبدية لا انقطاع لها، ولا نسبة للمحصور إلى غير المحصور، بل لو فرض أن السماوات والأرض مملوءتان خردلًا، وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة فني الخردل، والآخرة لا تفنى، فنسبة الدنيا إلى الآخرة في التمثيل كنسبة خردلة واحدة إلى ذلك الخردل.
ولهذا لو أن البحر يمدّه من بعده سبعة أبحر، وأشجار الأرض كلها أقلام يكتب بها كلام اللَّه، لنفدت الأبحر والأقلام ولم تنفد كلمات اللَّه؛ لأنها لا بداية لها ولا نهاية، والأبحر والأقلام متناهية٢.
قال الإمام أحمد وغيره: "لم يزل اللَّه متكلمًا إذا شاء"٣.
وكماله المقدس مقتض لكلامه، وكماله من لوازم ذاته فلا يكون إلا كاملًا، والمتكلم أكمل ممن لا يتكلم، وهو سبحانه لا يلحقه كلال ولا تعب ولا سآمة من الكلام، وهو يخلق ويدبر خلقه بكلماته، فكلماته هي التي وُجد بها خلقه وأمره، وذلك حقيقة ملكه وربوبيته
(٣) انظر كلام الإمام أحمد هذا في "الرد على الزنادقة والجهمية" ص ٤٦.
وإلهيته، وهو لا يكون إلا ملِكًا ربًّا لا إله إلا هو.
والمقصود: أن الدنيا نفس من أنفاس الآخرة، وساعة١ ساعاتها.
فصل
المثال السابع: ما مثّلها به ﷺ في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي سعيد الخدري قال: قام رسول اللَّه ﷺ فخطب الناس فقال: "لا واللَّه ما أخشى عليكم إلا ما يُخرج اللَّه لكم من زهرة الدنيا" فقال رجل: يا رسول اللَّه أَوَ يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول اللَّه ﷺ، ثم قال: "كيف قلت؟ " قال: يا رسول اللَّه أو يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول اللَّه ﷺ "إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما يُنبتُ الربيع ما يقتل حبطًا أو يلمّ، إلا اكلة الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت٢ وبالت، ثم اجترّت٣ فعادت فأكلت، فمن أخذ مالًا بحقه يُبارك له فيه، ومن أخذ مالًا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع"٤.
فأخبر ﷺ أنه إنما يخاف عليهم الدنيا، وسمّاها زهرة تشبيهًا لها
(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ثلطت أي: ألقت ما في بطنها رقيقًا. انظر: "فتح الباري" لابن حجر (١١/ ٢٥٢).
(٣) في الأصل: "أدبرت". وهو تحريف. و"اجترت" أي: استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف، فأعادت مضغه. انظر: "فتح الباري" (١١/ ٢٥٢).
(٤) "صحيح البخاري" رقم (٦٤٢٧)، و"صحيح مسلم" رقم (١٠٥٢).