وإلهيته، وهو لا يكون إلا ملِكًا ربًّا لا إله إلا هو.
والمقصود: أن الدنيا نفس من أنفاس الآخرة، وساعة١ ساعاتها.
فصل
المثال السابع: ما مثّلها به ﷺ في الحديث المتفق على صحته من حديث أبي سعيد الخدري قال: قام رسول اللَّه ﷺ فخطب الناس فقال: "لا واللَّه ما أخشى عليكم إلا ما يُخرج اللَّه لكم من زهرة الدنيا" فقال رجل: يا رسول اللَّه أَوَ يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول اللَّه ﷺ، ثم قال: "كيف قلت؟ " قال: يا رسول اللَّه أو يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول اللَّه ﷺ "إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما يُنبتُ الربيع ما يقتل حبطًا أو يلمّ، إلا اكلة الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت٢ وبالت، ثم اجترّت٣ فعادت فأكلت، فمن أخذ مالًا بحقه يُبارك له فيه، ومن أخذ مالًا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع"٤.
فأخبر ﷺ أنه إنما يخاف عليهم الدنيا، وسمّاها زهرة تشبيهًا لها
(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ثلطت أي: ألقت ما في بطنها رقيقًا. انظر: "فتح الباري" لابن حجر (١١/ ٢٥٢).
(٣) في الأصل: "أدبرت". وهو تحريف. و"اجترت" أي: استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف، فأعادت مضغه. انظر: "فتح الباري" (١١/ ٢٥٢).
(٤) "صحيح البخاري" رقم (٦٤٢٧)، و"صحيح مسلم" رقم (١٠٥٢).
بالزهر في طيب رائحته وحسن منظره وقلة مقامه، وأن وراءه ثمر خير١ منه وأبقى.
وقوله: "إن مما ينبت٢ الربيع ما يقتل حبطًا أو يلمّ" هذا من أحسن التمثيل المتضمن للتحذير من الدنيا والانهماك عليها والشّرَهِ٣ فيها، وذلك أن الماشية يروقها نبت الربيع، فتأكل منه بأعينها، فربما هلكت حبطًا.
و"الحَبَط" انتفاخ بطن الدّابة من الامتلاء أو من المرض، يُقال: حبط الرجل والدابة تحبط حبطًا إذا أصابه ذلك.
ولما أصاب الحارث بن مازن بن عمرو بن تميم ذلك في سفر فمات حبطًا؛ فنسب إليه الحَبَطي؛ كما يقال: السلمي.
فكذلك الشّرِه في المال يقتله شرهه وحرصه، فإن لم يقتله قارب أن يقتله، وهو قوله: "أو يلم". وكثير من أرباب الأموال إنما قتلتهم٤ أموالهم، فإنهم شرهوا في جمعها، واحتاج إليها غيرُهم فلم يصلوا إليها إلا بقتلهم، أو ما يقاربه من إذلالهم وقهرهم.
وقوله: "إلا آكلة الخضر" هذا تمثيل لمن أخذ من الدنيا حاجته، مثّله بالشاة الآكلة من الخضر بمقدار حاجتها، أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها، وفي لفظ آخر: "امتدت خاصرتاها"، وإنما تمتد من امتلائها