عدة الصابرين

من الطعام، وثّنى الخاصرتين؛ لأنهما جانبا البطن.

وفي قوله: "استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت" ثلاث فوائد:

إحداها: أنها لما أخذت حاجتها من المرعى تركته وبركت مستقبلة الشمس لتستمرئ بذلك ما أكلته.

الثانية: أنها أعرضت عما يضرّها من الشّره في المرعى، وأقبلت على ما ينفعها من استقبال الشمس التي يحصل لها بحرارتها إنضاج ما أكلته وإخراجه.

الثالثة: أنها استفرغت بالبول والثلط ما جمعته من المرعى في بطنها١، فاستراحت بإخراجه ولو بقي فيها لقتلها، فكذلك جامع المال مصلحته أن يفعل به كما فعلت هذه الشاة.

وأول الحديث مثلٌ للشّرهِ في جمع الدنيا٢ الحريص على تحصيلها، فمثاله: مثال الدّابة التي حملها شره الأكل على أن قتلها حبطًا أو ألمّ بقتلها، فإن الشّرِه الحريص إما هالك وإما قريب من الهلاك، فإن الربيع ينبت أنواع البقول والعشب، فتستكثر منه الدّابة حتى ينتفخ بطنها لما جازت٣ حدّ الاحتمال؛ فتنشقّ أمعاؤها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلّها ويحبسها أو يصرفها في غير حقّها.

وآخر الحديث مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذي تنتفع الدابة بأكله، ولم يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه فوق ما تحتمله، بل أكلت

  1. (١) في الأصل: "بطونها"، والصواب ما أثبت من غيره.
  2. (٢) في الأصل: "المال" والمثبت من غيره وهو المناسب للسياق.
  3. (٣) في النسخ الثلاث الأخرى: "جاوزت".
453

بقدر حاجتها، وهكذا هذا أخذ ما يحتاج إليه ثم أقبل على ما ينفعه.

وضرب بول الدابة وثلطها مثلًا لإخراجه المال في حقه، حيث يكون حبسه وإمساكه مضرًّا له فنجا من وبال جمعه بأخذ قدر الحاجة منه، ونجا من وبال إمساكه بإخراجه، كما نجت الدابة من الهلاك بالبول والثلط.

وفي هذا الحديث إشارة إلى الاعتدال والتوسط بين الشره في المرعى القاتل بكثرته، والإعراض عنه وتركه بالكلية، فتهلك جوعًا.

وتضمن الخبر أيضًا إرشاد المكثر من المال إلى ما يحفظ عليه قوّته وصحته في بدنه وقلبه، وهو الإخراج منه وإنفاقه، ولا يحبسه فيضرّه حبسه، وباللَّه التوفيق.

فصل

المثال الثامن: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ميمونة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ لعمرو بن العاص: "الدنيا خضرة حلوة، فمن اتقى اللَّه فيها وأصلح، وإلا فهو كالآكل ولا يشبع، وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين: أحدهما يطلع في المشرق، والآخر يغيب في المغرب"١.

فنبّه بخضرتها على استحسان العيون لها، وبحلاوتها على استجلاء الصدور لها، وبتلك الخضرة والحلاوة زيّنت لأهلها، وحُبّبت إليهم، لا

  1. (١) رواه أبو يعلى في "مسنده" رقم (٧٠٩٩)، والرامهرمزي في "الأمثال" رقم (١٩).
    وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٤٧).
454

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي