عدة الصابرين

أتى رسول اللَّه ﷺ فأخبره بما كان، فقال رسول اللَّه ﷺ: "بارك اللَّه لكما في غابر ليلتكما" وذكر الحديث١.

فصل

المثال السادس عشر: قوم سلكوا مفازة، فاصابهم العطش، فانتهوا إلى البحر وماؤه أمرّ شيء وأملحه، فلشدّة عطشهم لم يجدوا طعم مرارته وملوحته، فشربوا منه فلم يرووا، وجعلوا كلما ازدادوا شربًا ازدادوا ظمأ حتى تقطعت أعناقهم وماتوا عطشًا.

وعلم عقلاؤهم أنه مُرٌّ مالح، وأنه كلما ازداد الشارب منه زاد ظمؤه، فتباعدوا مسافة حتى وجدوا أرضًا حلوة، فحفروا فيها قليبًا، فنبع لهم ماء عذب فرات، فشربوا وعجنوا وطبخوا ونادوا إخوانهم الذين على حافة البحر: هلمّوا إلى الماء الفرات. وكان منهم المستهزئ، ومنهم المعرض الراضي بما هو فيه، وكان المجيب واحدًا بعد واحد.

وهذا المثل بعينه قد ضربه المسيح، فقال: "مثل طالب الدنيا كمثل شارب البحر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله"٢.

فصل

المثال السابع عشر: مثل الإنسان فيها ومثل ماله وعمله وعشيرته، مثل رجل له ثلاثة٣ إخوة، فقُضي له سفر بعيد طويل لا بدّ له منه، فدعا

  1. (١) "صحيح البخاري" رقم (١٣٠١)، و"صحيح مسلم" رقم (٢١٤٤) (٢٣).
  2. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٣٤٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٣١).
  3. (٣) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
462

إخوته الثلاثة، وقال: قد حضر ما ترون من هذا السفر، وأحوج ما كنت إليكم الآن.

فقال أحدهم: أنا كنت أخاك إلى هذه الحال، ومن الآن فلستُ لك بأخ ولا صاحب، وما عندي غير هذا. فقال له: لم تغنِ عنّي شيئًا.

فقال للآخر: ما عندك؟ فقال: كنت أخاك وصاحبك إلى الآن، وأنا معك حتى أجهزك إلى سفرك وتركب راحلتك، ومن هناك لستُ لك بصاحب. فقال له: أنا محتاج إلى مرافقتك في مسيري. فقال: لا سبيل لك إلى ذلك. فقال: لم تغنِ عني شيئًا.

فقال للثالث: ما عندك أنت؟ فقال: كنت صاحبك في صحّتك ومرضك، وأنا صاحبك الآن، وصاحبك إذا ركبت، وصاحبك في مسيرك، فإن سرت سرت معك، وإن نزلت نزلت معك، وإذا وصلتَ إلى بلدك كنتُ صاحبك فيها لا أفارقك أبدًا. فقال: إن كنتَ لأهون الأصحاب علي، وكنتُ أوثر عليك صاحبيك، فليتني عرفت حقك، وآثرتك عليهما.

فالأول: ماله.

والثاني: أقاربه وعشيرته.

والثالث: عمله.

وقد روي في هذا المثل بعينه حديث مرفوع لكنه لا يثبت، رواه أبو جعفر العقيلي في كتاب "الضعفاء" من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وعن ابن المسيب عن عائشة مرفوعًا١، وهو مثل صحيح

  1. (١) "الضعفاء الكبير" (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨). =
463

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي