عدة الصابرين

إخوته الثلاثة، وقال: قد حضر ما ترون من هذا السفر، وأحوج ما كنت إليكم الآن.

فقال أحدهم: أنا كنت أخاك إلى هذه الحال، ومن الآن فلستُ لك بأخ ولا صاحب، وما عندي غير هذا. فقال له: لم تغنِ عنّي شيئًا.

فقال للآخر: ما عندك؟ فقال: كنت أخاك وصاحبك إلى الآن، وأنا معك حتى أجهزك إلى سفرك وتركب راحلتك، ومن هناك لستُ لك بصاحب. فقال له: أنا محتاج إلى مرافقتك في مسيري. فقال: لا سبيل لك إلى ذلك. فقال: لم تغنِ عني شيئًا.

فقال للثالث: ما عندك أنت؟ فقال: كنت صاحبك في صحّتك ومرضك، وأنا صاحبك الآن، وصاحبك إذا ركبت، وصاحبك في مسيرك، فإن سرت سرت معك، وإن نزلت نزلت معك، وإذا وصلتَ إلى بلدك كنتُ صاحبك فيها لا أفارقك أبدًا. فقال: إن كنتَ لأهون الأصحاب علي، وكنتُ أوثر عليك صاحبيك، فليتني عرفت حقك، وآثرتك عليهما.

فالأول: ماله.

والثاني: أقاربه وعشيرته.

والثالث: عمله.

وقد روي في هذا المثل بعينه حديث مرفوع لكنه لا يثبت، رواه أبو جعفر العقيلي في كتاب "الضعفاء" من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وعن ابن المسيب عن عائشة مرفوعًا١، وهو مثل صحيح

  1. (١) "الضعفاء الكبير" (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨). =
463

في نفسه مطابق للواقع.

فصل

المثال الثامن عشر، وهو من أحسن الأمثلة: ملكٌ بنى دارًا لم يرَ الراؤون ولم يسمع السامعون أحسن منها ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذّ النفوس، ونصب إليها طريقًا، وبعث داعيًا يدعو الناس إليها، وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زُيّنت بأنواع الزينة، وأُلبست أنواع الحليّ والحلل، وممرُّ الناسِ كلهم عليها، وجعل لها أعوانًا وخدمًا، وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادًا للمارّين السائرين إلى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غضّ طرفه عنك، ولم يشتغل بك عنّي، وابتغى منك زادًا يوصله إلى؛ فاخدميه وزوّديه، ولا تعوّقيه عن سفره إليّ، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره.

ومن مدّ إليكِ عينيه، ورضي بك وآثرك عليّ، وطلب وصالك، فسوميه سوء العذاب، وأوليه غاية الهوان، واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش، وما نال منك فاخدعيه به قليلًا ثم استرديه منه واسلبيه إياه كلّه، وسلطي عليه أتباعك وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك

  1. = وقد جاء في ذلك أحاديث صحاح منها:
    - حديث أنس بن مالك، رواه ابن حبان في "صحيحه" رقم (٣١٠٨)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٧٤)، (٣٧١)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٤/ ٦٢٩).
    - وحديث النعمان بن بشير، رواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٧٤ - ٧٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٧٢٣)، والطبراني في الأوسط رقم (٧٣٩٦)، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
    وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٤٨١).
464

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي