المثال الثامن عشر، وهو من أحسن الأمثلة: ملكٌ بنى دارًا لم يرَ الراؤون ولم يسمع السامعون أحسن منها ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذّ النفوس، ونصب إليها طريقًا، وبعث داعيًا يدعو الناس إليها، وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زُيّنت بأنواع الزينة، وأُلبست أنواع الحليّ والحلل، وممرُّ الناسِ كلهم عليها، وجعل لها أعوانًا وخدمًا، وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادًا للمارّين السائرين إلى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غضّ طرفه عنك، ولم يشتغل بك عنّي، وابتغى منك زادًا يوصله إلى؛ فاخدميه وزوّديه، ولا تعوّقيه عن سفره إليّ، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره.
ومن مدّ إليكِ عينيه، ورضي بك وآثرك عليّ، وطلب وصالك، فسوميه سوء العذاب، وأوليه غاية الهوان، واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش، وما نال منك فاخدعيه به قليلًا ثم استرديه منه واسلبيه إياه كلّه، وسلطي عليه أتباعك وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك
= وقد جاء في ذلك أحاديث صحاح منها: - حديث أنس بن مالك، رواه ابن حبان في "صحيحه" رقم (٣١٠٨)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٧٤)، (٣٧١)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٤/ ٦٢٩). - وحديث النعمان بن بشير، رواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٧٤ - ٧٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٧٢٣)، والطبراني في الأوسط رقم (٧٣٩٦)، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٤٨١).
فتأمل هذا المثل، وحال خطاب الدنيا وخطاب الآخرة، واللَّه المستعان.
وهذا المثل مأخوذ من الأثر المرويّ عن اللَّه ﷿: "يا دنيا اخدمي من خدمني، واستخدمي من خدمك"١.
فصل
المثال التاسع عشر: ملك اختط مدينة في أصح المواضع وأحسنها هواء، وأكثرَ مياهَها٢ وشقَّ أنهارَها وغرس أشجارها، وقال لرعيته: تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها، فمن سبق إلى مكان فهو له، ومن تخلف سبقه الناس إلى المدينة، وأخذوا منازلهم، وتبوأوا مساكنهم، وبقي مع أصحاب الحسرات. ونصب لهم ميدان السباق، وجعل على الميدان شجرة كبيرة لها ظلٌّ مديد وتحتها مياه جارية، وفي الشجرة من أنواع الفواكه وعليها الطيور العجيبة الأصوات، وقال لهم: لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها، فعن قليل تُجْتثّ من أصلها، ويذهب ظلها، وينقطع ثمرها، وتموت أطيارها، وأما مدينة الملك؛ فأُكُلها دائم، وظلها مديد، ونعيمها سرمد، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن
(١) أخرجه: القضاعي في "مسند الشهاب" رقم (١٤٥٤)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (٨/ ٤٤) من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا. وحكم عليه بالوضع الخطيب بعد روايته له. وكذلك الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (١٢)، (٨٠٨).
(٢) في النسخ الأخرى: "وأكثرها مياهًا". مكان: "وأكثر مياهها".