عدة الصابرين

سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

فسمع الناس بها فخرجوا في طلبها على وجوههم، فمروا في طريقهم بتلك الشجرة على أثر تعب ونصب وحرٍّ وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها، واستظلوا بظلّها، وذاقوا حلاوة ثمرها، وسمعوا نغمات أطيارها، فقيل لهم: إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم، وتضمّروا مراكبكم للسباق، فتهيأوا للركوب وكونوا على أهبة، فإذا صاح النفير ابتدرتم حلبة السباق.

فقال الأكثرون: كيف ندع هذا الظلّ الظليل، والماء السلسبيل، والفاكهة النضيجة، والدعة والراحة، ونقتحم هذه الحلبة في الحرّ والغبار والتعب والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التي تتقطع فيها الأعناق؟! وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة١ إلى الأجل البعيد؟! ونترك ما نراه لما لا نراه، وذرّة منقودة في اليد أولى من درّة موعودة بعد غد، خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به٢، ونحن بنو اليوم، وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب٣ في بلد بعيد لا ندري متى نصل إليه؟!

ونهض من كل ألف واحد فقالوا: واللَّه ما مقامنا في ظل زائل تحت شجرة قد دنا قلعها، وانقطاع ثمرها، وموت طيورها، وترك المسابقة

  1. (١) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
  2. (٢) قوله: "خذ ما تراه وح شيئًا سمعت به" هو صدر بيت، وعجزه: "في طلعة البدر (الشمس) ما يغنيك عن زحل". وهو للمتنبي. انظر: "ديوان المتنبي" (١/ ١٦٢).
  3. (٣) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
466

إلى الظلّ الظليل الذي [لا يزول، والعيش الهنيء الذي]١ لا ينقطع إلا من أعجز العجز، وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه ويتخذه وطنه خشية التأذي بالحرّ والبرد؟! وهل هذا إلا أسفه السفه؟! السباق السباق والبدار البدار.

حكم المنيّة في البرية جاريما هذه الدنيا بدار قرارِ
قضوا مآربكم سراعًا إنّماأعمارُكم سَفَرٌ من الأَسفارِ
وتراكضوا خَيْلَ السّباقِ وبادرواأن تُسْتَرَدَّ فإنَّهن عَواري
ودعوا الإقامة تحت ظلٍّ زائلٍأنتم على سَفرٍ بهذي الدّارِ
من يرجُ طِيبَ العَيْشِ فيها إنمايبني الرّجاءَ على شَفيرٍ هارِ
والعَيْشُ كُلُّ العَيْشِ بعد فِراقِهافي دارِ أَهْلِ السَّبْقِ أكْرَمِ دارِ٢

فاقتحموا حلبة السباق، ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، ساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم.

  1. (١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، وأثبته من النسخ الأخرى.
  2. (٢) الأبيات الثلاثة الأولى وعجز البيت الخامس هي لأبي الحسن التهامي "ديوانه": (ص/ ١٥٥) في قصيدته المشهورة التي يرثي فيها ابنه، التي وصفها الحموي بقوله: "وهي نسيج وحدها، وواسطة عقدها".
    انظر: "الحماسة المغربية" (٢/ ٨٦٧) وما بعدها، و"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" (٨/ ٥٤٤ - ٥٤٥)، و"خزانة الأدب" للحموي (١/ ٣٥).
    أما الأبيات الباقية فأظنها من تركيب ابن القيم، لتوافق المثل الذي ساقه، واللَّه أعلم.
467

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي