عدة الصابرين

إلى الظلّ الظليل الذي [لا يزول، والعيش الهنيء الذي]١ لا ينقطع إلا من أعجز العجز، وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه ويتخذه وطنه خشية التأذي بالحرّ والبرد؟! وهل هذا إلا أسفه السفه؟! السباق السباق والبدار البدار.

حكم المنيّة في البرية جاريما هذه الدنيا بدار قرارِ
قضوا مآربكم سراعًا إنّماأعمارُكم سَفَرٌ من الأَسفارِ
وتراكضوا خَيْلَ السّباقِ وبادرواأن تُسْتَرَدَّ فإنَّهن عَواري
ودعوا الإقامة تحت ظلٍّ زائلٍأنتم على سَفرٍ بهذي الدّارِ
من يرجُ طِيبَ العَيْشِ فيها إنمايبني الرّجاءَ على شَفيرٍ هارِ
والعَيْشُ كُلُّ العَيْشِ بعد فِراقِهافي دارِ أَهْلِ السَّبْقِ أكْرَمِ دارِ٢

فاقتحموا حلبة السباق، ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، ساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم.

  1. (١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، وأثبته من النسخ الأخرى.
  2. (٢) الأبيات الثلاثة الأولى وعجز البيت الخامس هي لأبي الحسن التهامي "ديوانه": (ص/ ١٥٥) في قصيدته المشهورة التي يرثي فيها ابنه، التي وصفها الحموي بقوله: "وهي نسيج وحدها، وواسطة عقدها".
    انظر: "الحماسة المغربية" (٢/ ٨٦٧) وما بعدها، و"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" (٨/ ٥٤٤ - ٥٤٥)، و"خزانة الأدب" للحموي (١/ ٣٥).
    أما الأبيات الباقية فأظنها من تركيب ابن القيم، لتوافق المثل الذي ساقه، واللَّه أعلم.
467

فواللَّه ما كان إلا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة، وتساقطت أوراقها، وانقطعت ثمارها، ويبست فروعها، وانقطع شربها، فقلعها قيمها من أصلها، فأصبح أهلها في حرّ السموم يتقلّبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسّرون، ثم أحرقها قيّمها فصارت هي وما حولها نارًا تلظى، وأحاطت بمن تحتها فلم يستطع أحد الخروج منها، فقالوا: ما فعل الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم: ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللّذات، فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم، وزاد تضاعفها بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون، وقيل: هذا جزاء المتخلفين، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨].

فصل

المثال العشرون: ما مثلّها به النبي ﷺ من الثوب الذي شُق، وبقي معلّقًا بخيط في آخره، فما بقاء ذلك الخيط١؟.

قال ابن أبي الدنيا: حدثني الفضل بن جعفر حدثنا وهب بن بيان٢ حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا أبو سعيد خلف بن حبيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "مثل هذه الدنيا مثل ثوب شقّ من أوله إلى آخره، فبقي معلّقًا بخيط في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع"٣.

  1. (١) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
  2. (٢) في الأصل والنسخ الأخرى: "حيان". والتصويب من "ذم الدنيا" و"قصر الأمل".
  3. (٣) "ذم الدنيا" رقم (٢٢١)، و"قصر الأمل" رقم (١٢٢).
    ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٢٤٠)، وأبو نعيم في "حلية =
468

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي