فواللَّه ما كان إلا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة، وتساقطت أوراقها، وانقطعت ثمارها، ويبست فروعها، وانقطع شربها، فقلعها قيمها من أصلها، فأصبح أهلها في حرّ السموم يتقلّبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسّرون، ثم أحرقها قيّمها فصارت هي وما حولها نارًا تلظى، وأحاطت بمن تحتها فلم يستطع أحد الخروج منها، فقالوا: ما فعل الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم: ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللّذات، فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم، وزاد تضاعفها بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون، وقيل: هذا جزاء المتخلفين، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[النحل: ١١٨].
فصل
المثال العشرون: ما مثلّها به النبي ﷺ من الثوب الذي شُق، وبقي معلّقًا بخيط في آخره، فما بقاء ذلك الخيط١؟.
قال ابن أبي الدنيا: حدثني الفضل بن جعفر حدثنا وهب بن بيان٢ حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا أبو سعيد خلف بن حبيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "مثل هذه الدنيا مثل ثوب شقّ من أوله إلى آخره، فبقي معلّقًا بخيط في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع"٣.
(١) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
(٢) في الأصل والنسخ الأخرى: "حيان". والتصويب من "ذم الدنيا" و"قصر الأمل".
(٣) "ذم الدنيا" رقم (٢٢١)، و"قصر الأمل" رقم (١٢٢). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٢٤٠)، وأبو نعيم في "حلية =
وإن أردت لهذا المثل زيادة إيضاح، فانظر إلى ما رواه أحمد في "مسنده" من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ العصر نهارًا، ثم قام فخطبنا، فلم يترك شيئًا من قيام الساعة إلا أَخبر به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قال: وجعل الناس يلتفتون إلى الشمس هل بقي منها شيء؟ فقال: "ألا إنه لم يبقَ من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه"١.
وروى حفص بن غياث عن ليث عن المغيرة بن حكيم عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ والشمس على أطراف السعف، فقال: "ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه"٢.
[وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن سعد حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا موسى بن خلف عن قتادة عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ خطب عند مغربان الشمس فقال: "ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه"٣]٤.
= الأولياء" (٨/ ١٣١). وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (١٩٧٥).
(١) "المسند" (٣/ ١٩). ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢١٩١)، وقال: "حديث حسن صحيح".
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" رقم (١٢٠). وحسنه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/ ٣٩٠).
(٣) "قصر الأمل" رقم (١٢١).
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.