عدة الصابرين

فالدنيا كلها كيوم واحد، بُعث رسول اللَّه ﷺ في آخره قبل غروب شمسه بيسير.

وقال جابر وأبو هريرة عنه: "بُعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى"١.

وكان بعض السلف يقول: تصبّروا فإنما هي أيام قلائل، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يُدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت، وإنه قد نُعيت إليكم أنفسكم، والموت حبس لا بد منه، واللَّه بالمرصاد، وإنما تخرج هذه النفوس على آخر سورة الواقعة٢.

فصل

المثال الحادي والعشرون: مثال الدنيا كحوض كبير مُلئ ماء،

  1. (١) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٨٦٧) من حديث جابر ﵁.
    والبخاري في "صحيحه" رقم (٦٥٠٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
    ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٥٠٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٥١) من حديث أنس بن مالك ﵁.
    ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٥٠٣)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٥٠) من حديث سهل بن سعد ﵁.
  2. (٢) جمع الإمام ابن القيم ﵀ هنا بين قولين للسلف:
    فأما قوله: "تصبروا. . . ولا يلتفت". فهو مروي عن الحسن كما في "قصر الأمل" رقم (١٧١)، و"محاسبة النفس" رقم (٦٣)، كلاهما لابن أبي الدنيا.
    وأما الشطر الباقي، فهو مروي عن ميمون بن مهران كما في "قصر الأمل" رقم (١٧٠).
470

وجعل موردًا للأنام والأنعام، فجعل الحوض ينقص على كثرة١ الوارد حتى لم يبقَ منه إلا وَشَلٌ٢ كدر في أسفله، قد بالت فيه الذواب، وخاضته الناس والأنعام، كما روى مسلم في "صحيحه" عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم، فقال في خطبته: "إن الدنيا قد آذنت بصُرم٣، وولّت حذّاء٤، ولم يبقَ منها إلا صبابة٥ كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون عنها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم"٦.

وقال عبد اللَّه بن مسعود: "إن اللَّه تعالى جعل الدنيا كلها قليلًا، فما بقي منها إلا قليل من قليل، ومثل ما بقي منها كالثَّغَب شرِبَ صفوه، وبقي كدره"٧. الثغب: الغدير.

  1. (١) في الأصل: "كثيرة". والمثبت من النسخ الأخرى.
  2. (٢) تحرفت في النسخ إلى "وشك" وسقطت من (ب). والوَشَلُ بمعنى الماء القليل.
  3. (٣) أي: بانقطاع وانقضاء. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٢٦).
  4. (٤) أي: مسرعة الانقطاع. انظر: "شرح النووي على مسلم" (١٨/ ١٠٢).
  5. (٥) أي: البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء. انظر: "النهاية" (٣/ ٥).
  6. (٦) "صحيح مسلم" رقم (٢٩٦٧).
  7. (٧) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٩٦٤)، بلفظ: "ما غبر -أي: ما بقي- من الدنيا إلا كالثغب شرب صفوه وبقي كدره".
    ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٢٠) عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا بنفس اللفظ الذي ذكره ابن القيم. وصححه، ووافقه الذهبي.
    وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (١٦٢٥).
471

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي