عدة الصابرين

وجعل موردًا للأنام والأنعام، فجعل الحوض ينقص على كثرة١ الوارد حتى لم يبقَ منه إلا وَشَلٌ٢ كدر في أسفله، قد بالت فيه الذواب، وخاضته الناس والأنعام، كما روى مسلم في "صحيحه" عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم، فقال في خطبته: "إن الدنيا قد آذنت بصُرم٣، وولّت حذّاء٤، ولم يبقَ منها إلا صبابة٥ كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون عنها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم"٦.

وقال عبد اللَّه بن مسعود: "إن اللَّه تعالى جعل الدنيا كلها قليلًا، فما بقي منها إلا قليل من قليل، ومثل ما بقي منها كالثَّغَب شرِبَ صفوه، وبقي كدره"٧. الثغب: الغدير.

  1. (١) في الأصل: "كثيرة". والمثبت من النسخ الأخرى.
  2. (٢) تحرفت في النسخ إلى "وشك" وسقطت من (ب). والوَشَلُ بمعنى الماء القليل.
  3. (٣) أي: بانقطاع وانقضاء. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٢٦).
  4. (٤) أي: مسرعة الانقطاع. انظر: "شرح النووي على مسلم" (١٨/ ١٠٢).
  5. (٥) أي: البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء. انظر: "النهاية" (٣/ ٥).
  6. (٦) "صحيح مسلم" رقم (٢٩٦٧).
  7. (٧) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٩٦٤)، بلفظ: "ما غبر -أي: ما بقي- من الدنيا إلا كالثغب شرب صفوه وبقي كدره".
    ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٢٠) عن عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا بنفس اللفظ الذي ذكره ابن القيم. وصححه، ووافقه الذهبي.
    وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (١٦٢٥).
471

فصل

المثال الثاني والعشرون: قوم سكنوا مدينة مدة من الزمان، فكثرت فيها الأحداث والآفات، وطرقتها المحن، وأغارت عليها عساكر الجور والفساد، فبنى ملكهم مدينة في محل لا يطرقها آفة ولا عاهة، وعزم على تخريب المدينة الأولى، فأرسل إلى سكانها، فنودي فيهم بالرحيل بعد ثلاث، ولا يتخلف منهم أحد، وأمرهم أن ينقلوا إلى مدينة الملك الثانية خير ما في تلك المدينة وأنفعه وأجفه من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة، وما خفّ حمله من المتاع، وعظم قدره، وصلح للملوك، وأرسل إليهم الأدلّاء وآلات١ النقلة، ونهج لهم الطريق، ونصب لهم الأعلام، وتابع الرسل يستحثونهم بعضهم في إثر بعض، فانقسموا فرقًا.

فالأقلون علموا قصر مدّة مقامهم في تلك المدينة، وتيقنوا أنهم إن لم يبادروا بتحصيل خير ما فيها وحمله إلى مدينة الملك، وإلا فاتهم ذلك فلم يقدروا عليه، فرأوا غبنًا أن يقطعوا تلك المدة في جمع المفضول والاشتغال به عن الفاضل، فسألوا عن خير ما في المدينة وأنفسه وأحبه إلى الملك وأنفعه في مدينته، فلما عرفوه لم يلتفتوا إلى ما دونه، ورأوا أن أحدهم إذا وافى بجوهرة عظيمة كانت أحب إلى الملك من أن يوافيه بأحمال كثيرة من الفلوس والحديد ونحوهما، فكان همّهم في تحصيل ما هو أحب إلى الملك وأنفس عنده ولو قلّ في رأي العين.

وأقبلت فرقة أخرى على تعبئة الأحمال المحملة وتنافسوا في كثرتها، وهم على مراتب، فمن بين مَن أحماله أثمان، وبين من أحماله

  1. (١) في الأصل: "والآلات"، والتصويب من النسخ الأخرى.
472

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي