عدة الصابرين

من تلك المدينة عليه، فقبل منها ما يصلح له مثله، وأعاض أربابه أضعاف أضعاف قيمته، وأنزلهم منازلهم من قربه، ورد منها ما لا يصلح له وضرب به وجوه أصحابه، وقابل من نقب حماه وأفسد حريمه بما يقابل به المفسدون، فسألوا الرجعة إلى المدينة ليعمروا قصره، ويحفظوا حريمه، ويقدموا عليه من البضائع بمثل ما قدم به التجار، فقال: هيهات قد خربت المدينة خرابًا لا تعمر بعده أبدًا وليس بعدها إلا هذه المدينة التي لا تخرب أبدًا.

فصل

وقد مثّلت الدنيا بمنام، والعيش فيها بالحلم، والموت باليقظة.

ومثّلت بمزرعة، والعمل فيها البذر، والحصاد يوم المعاد.

ومُثّلت بدار لها بابان: باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه.

ومُثّلت: بحيّة ناعمة الملمس، حسنة اللون، وضربتها الموت.

ومُثّلت: بطعام مسموم، لذيذ الطعم، طيّب الرائحة، من تناول منه قدر حاجته كان فيه شفاؤه، ومن زاد على حاجته كان فيه حتفه.

ومُثّلت: بالطعام في المعدة، إذا أخذت الأعضاء منه حاجتها فحبسه قاتل أو مؤذ ولا راحة لصاحبه إلا في خروجه، كما أشار إليه النبي ﷺ في آكلة الخضر وقد تقدّم١.

ومُثّلت بامرأة من أقبح النساء قد انتقبت على عينين فتنت بهما الناس

  1. (١) سبق في المثال السابع.
474

وهي تدعو الناس إلى منزلها، فإذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها وألقتهم في الحفر، وقد سلّطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديمًا وحديثًا، والعجب أن عشاقها يرون إخوانهم صرعى قد حلّت بهم الآفات، وهم يتنافسون في مصارعهم، ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ٤٥﴾ [إبراهيم: ٤٥].

ويكفي في تمثيلها ما مثّلها اللَّه في كتابه فهو المثل المنطبق عليها.

قالوا: وإذا كان هذا شأنها فالتقلل منها والزهد فيها خير من الاستكثار منها والرغبة فيها.

قالوا: ومن المعلوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها، والرغبة في اللَّه والدار الآخرة أبدًا، ولا تسكن هاتان الرغبتان في مكان واحد إلا وطردت إحداهما الأخرى، واستبدت بالمسكن، ولا تجتمع بنت رسول اللَّه ﷺ وبنت عدو اللَّه عند رجل واحد أبدًا١.

قالوا: ويكفي أن رسول اللَّه ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوزها، ولو أخذها لكان أشكر خلق اللَّه بها، ولم تنقصه مما له عند اللَّه شيئًا، فاختار جوع يوم وشبع يوم٢. ومات ودرعه مرهونة على طعام لأهله، كما تقدم ذكره٣.

  1. (١) يشير إلى ما رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١١٠) ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٤٤٩) كلاهما من حديث المسور بن مخرمة أن النبي ﷺ قال: "ولكن واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه ﷺ وبنت عدو اللَّه أبدًا".
  2. (٢) سبق ص (٢١٥).
  3. (٣) سبق ص (٣٠٢).
475

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي