عدة الصابرين

وهي تدعو الناس إلى منزلها، فإذا أجابوها كشفت لهم عن منظرها وذبحتهم بسكاكينها وألقتهم في الحفر، وقد سلّطت على عشاقها تفعل بهم ذلك قديمًا وحديثًا، والعجب أن عشاقها يرون إخوانهم صرعى قد حلّت بهم الآفات، وهم يتنافسون في مصارعهم، ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ٤٥﴾ [إبراهيم: ٤٥].

ويكفي في تمثيلها ما مثّلها اللَّه في كتابه فهو المثل المنطبق عليها.

قالوا: وإذا كان هذا شأنها فالتقلل منها والزهد فيها خير من الاستكثار منها والرغبة فيها.

قالوا: ومن المعلوم أنه لا تجتمع الرغبة فيها، والرغبة في اللَّه والدار الآخرة أبدًا، ولا تسكن هاتان الرغبتان في مكان واحد إلا وطردت إحداهما الأخرى، واستبدت بالمسكن، ولا تجتمع بنت رسول اللَّه ﷺ وبنت عدو اللَّه عند رجل واحد أبدًا١.

قالوا: ويكفي أن رسول اللَّه ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوزها، ولو أخذها لكان أشكر خلق اللَّه بها، ولم تنقصه مما له عند اللَّه شيئًا، فاختار جوع يوم وشبع يوم٢. ومات ودرعه مرهونة على طعام لأهله، كما تقدم ذكره٣.

  1. (١) يشير إلى ما رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١١٠) ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٤٤٩) كلاهما من حديث المسور بن مخرمة أن النبي ﷺ قال: "ولكن واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه ﷺ وبنت عدو اللَّه أبدًا".
  2. (٢) سبق ص (٢١٥).
  3. (٣) سبق ص (٣٠٢).
475

قالوا: وقد انقسم الناس بعد رسول اللَّه ﷺ أربعة أقسام:

قسم: لم يريدوا الدنيا ولم تُرِدْهُم، كالصديق ومن سلك سبيله.

وقسم: أرادتهم الدنيا ولم يريدوها، كعمر بن الخطاب، ومن سلك سبيله١.

وقسم: أرادوا الدنيا وأرادتهم الدنيا، كخلفاء بني أمية ومن سلك سبيلهم، حاشا عمر بن عبد العزيز فإنها أرادته ولم يردها.

وقسم: أرادوها وهي لم تردهم، كمن أفقر اللَّه منها يده، وأسكنها في قلبه، وامتحنه بحبها.

ولا يخفى أن خير الأقسام القسم الأول، والثاني إنما فُضّل لأنه لم يردها، فالتحق بالأول.

قالوا: وقد سأل رجل رسول اللَّه ﷺ أن يدلّه على عمل إذا فعله أحثه اللَّه وأحبّه الناس، فقال له: "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"٢ فلو كان الغنى أفضل لدلّه عليه.

  1. (١) روى أحمد في "الزهد" رقم (٥٨٦) عن معاوية بن أبي سفيان قال: "إن الدنيا لم ترد أبا بكر ولم يردها، وأرادت ابن الخطاب ولم يردها".
    وروى ابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٥٥) عن أبي مسهر قال: "لم يرد النبي ﷺ الدنيا ولم ترده، ولم ترد أبا بكر ولم يردها، وأرادت عمر فتركها".
  2. (٢) رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٠٢) من حديث خالد بن عمرو القرشي عن الثوري عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁.
    إلا أنه وقع أول الحديث في الأصل المخطوط: "ازهد ما في الدنيا. . . " بزيادة: "ما"، والمثبت موافق للنسخ الأخرى ولمصدر التخريج.
    وصححه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣١٣)، وخالفه الذهبي فقال: =
476

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي