عدة الصابرين

قالوا: وقد انقسم الناس بعد رسول اللَّه ﷺ أربعة أقسام:

قسم: لم يريدوا الدنيا ولم تُرِدْهُم، كالصديق ومن سلك سبيله.

وقسم: أرادتهم الدنيا ولم يريدوها، كعمر بن الخطاب، ومن سلك سبيله١.

وقسم: أرادوا الدنيا وأرادتهم الدنيا، كخلفاء بني أمية ومن سلك سبيلهم، حاشا عمر بن عبد العزيز فإنها أرادته ولم يردها.

وقسم: أرادوها وهي لم تردهم، كمن أفقر اللَّه منها يده، وأسكنها في قلبه، وامتحنه بحبها.

ولا يخفى أن خير الأقسام القسم الأول، والثاني إنما فُضّل لأنه لم يردها، فالتحق بالأول.

قالوا: وقد سأل رجل رسول اللَّه ﷺ أن يدلّه على عمل إذا فعله أحثه اللَّه وأحبّه الناس، فقال له: "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"٢ فلو كان الغنى أفضل لدلّه عليه.

  1. (١) روى أحمد في "الزهد" رقم (٥٨٦) عن معاوية بن أبي سفيان قال: "إن الدنيا لم ترد أبا بكر ولم يردها، وأرادت ابن الخطاب ولم يردها".
    وروى ابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٥٥) عن أبي مسهر قال: "لم يرد النبي ﷺ الدنيا ولم ترده، ولم ترد أبا بكر ولم يردها، وأرادت عمر فتركها".
  2. (٢) رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٠٢) من حديث خالد بن عمرو القرشي عن الثوري عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁.
    إلا أنه وقع أول الحديث في الأصل المخطوط: "ازهد ما في الدنيا. . . " بزيادة: "ما"، والمثبت موافق للنسخ الأخرى ولمصدر التخريج.
    وصححه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣١٣)، وخالفه الذهبي فقال: =
476

قالوا: وقد شرع اللَّه سبحانه قتال الكفار، وشرع الكفّ عن الرهبان١؛ لاعتزالهم عن الدنيا وزهدهم فيها، فمضت السنة بأن لا يُقاتلون ولا تُضرب عليهم جزية، هذا وهُمْ أعداؤه وأعداء رسله ودينه، فعُلم أن الزهد فيها عند اللَّه بمكان.

قالوا: ولذلك استقرت حكمته في شرعه على أن عقوبة الواجد أعظم من عقوبة الفاقد، فهذا الزاني المحصن عقوبته الرجم، وعقوبة من لم يحصن الجلد والتغريب٢، وهكذا يكون ثواب الفاقد أعظم من

  1. = "قلت: خالد وضّاع".
    وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٥٦ - ٥٧): "وقد حسّن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بعد؛ لأنه من رواية خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل، وخالد هذا قد ترك واتهم، ولم أرَ من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفًا أن يكون النبي ﷺ قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني عن سفيان، ومحمد هذا قد وُثّق على ضعفه وهو أصلح حالًا من خالد، واللَّه أعلم".
    وضعف إسناده البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٤/ ٢١٥) لأجل خالد بن عمرو.
  2. (١) أعلى ما وجدته في مشروعية الكف عن الرهبان: قول أبي بكر الصديق ﵁: "لا تقتلوا صبيًّا ولا امرأة ولا شيخًا كبيرًا، ولا مريضًا ولا راهبًا". رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٩٠). وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: ألا لا يُقتل الراهب في الصومعة.
  3. (٢) مما يدل على ذلك حديث العسيف الذي رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٨٥٩)، (٦٨٦٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٩٧)، (١٦٩٨)، من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄. وفيه: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها".
477

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي