عدة الصابرين

قالوا: وقد شرع اللَّه سبحانه قتال الكفار، وشرع الكفّ عن الرهبان١؛ لاعتزالهم عن الدنيا وزهدهم فيها، فمضت السنة بأن لا يُقاتلون ولا تُضرب عليهم جزية، هذا وهُمْ أعداؤه وأعداء رسله ودينه، فعُلم أن الزهد فيها عند اللَّه بمكان.

قالوا: ولذلك استقرت حكمته في شرعه على أن عقوبة الواجد أعظم من عقوبة الفاقد، فهذا الزاني المحصن عقوبته الرجم، وعقوبة من لم يحصن الجلد والتغريب٢، وهكذا يكون ثواب الفاقد أعظم من

  1. = "قلت: خالد وضّاع".
    وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٥٦ - ٥٧): "وقد حسّن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بعد؛ لأنه من رواية خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل، وخالد هذا قد ترك واتهم، ولم أرَ من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفًا أن يكون النبي ﷺ قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني عن سفيان، ومحمد هذا قد وُثّق على ضعفه وهو أصلح حالًا من خالد، واللَّه أعلم".
    وضعف إسناده البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٤/ ٢١٥) لأجل خالد بن عمرو.
  2. (١) أعلى ما وجدته في مشروعية الكف عن الرهبان: قول أبي بكر الصديق ﵁: "لا تقتلوا صبيًّا ولا امرأة ولا شيخًا كبيرًا، ولا مريضًا ولا راهبًا". رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٩٠). وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: ألا لا يُقتل الراهب في الصومعة.
  3. (٢) مما يدل على ذلك حديث العسيف الذي رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٨٥٩)، (٦٨٦٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٩٧)، (١٦٩٨)، من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄. وفيه: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها".
477

ثواب الواجد.

قالوا: وكيف يستوي عند اللَّه ذلّة الفقر، وكسرته، وخضوعه، وتجرع مرارته، وتحمُّل أعبائه ومشاقّه؟ وعزّة الغنى، ولذّته، وصولته، والتمتعّ بلذّاته، ومباشرة حلاواته؟ فبعين اللَّه ما يتحمّل الفقراء من مرارات فقرهم وصبرهم ورضائهم به عن ربهم ﵎.

وأين أجر١ مشقة المجاهدين إلى أجر عبادة القاعدين في الأمن، والدّعة، والراحة؟!

قالوا: وكيف يستوي أمران: أحدهما: حفّت به الجنة، والثاني: حفّت به النار٢؟ فإن أصل الشهوات من قبل المال، وأصل المكاره من قبل الفقر.

قالوا: والفقير لا ينفك في خصاصة من مضض الفقر والجوع والعُرْي والحاجة وآلام الفقر، وكلّ واحد منها يكفر ما يقاومه من السيئات، وذلك زيادة على أجره بأعمال البرّ.

فقد شارك الأغنياء في أعمال البرّ، وامتاز عنهم بما يكفر سيئاته، وما امتازوا به عليه من الإنفاق والصدقة والنفع المتعدي فله سبيل إلى لحاقهم فيه، ونيله مثل أجورهم، وهو أن يعلم اللَّه من نيّته أنه لو أوتي مثل

  1. (١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
  2. (٢) يشير إلى حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول ﷺ: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات". رواه مسلم في "صحيحه" (٢٨٢٢).
    ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٨٧)، ومسلم في "صحيحه" (٢٨٢٣) من حديث أبي هريرة بلفظ: "حجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنة بالمكاره".
478

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي