ما أوتوه لفعل كما يفعلون، فيقول: لو أن لي مالًا لعملت بأعمالهم فهو بنيته وأجرهما سواء، كما أخبر به الصادق المصدوق فى الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري١.
قالوا: والفقير في الدنيا بمنزلة المسجون، إذ هو ممنوع عن الوصول إلى شهواتها وملاذّها، والغني متخلّص من هذا السجن، وقد قال النبي ﷺ: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر"٢، فالغني إن لم يسجن نفسه عن دواعي الغنى وطغيانه وأرسلها في ميادين شهواتها كانت الدنيا جنّة له، فإنما ينال الفضل بتشبّهه بالفقير الذي هو في سجن فقره.
قالوا: وقد ذمّ اللَّه ورسوله من عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وإنه لحريٌّ أن يكون عوضًا عن طيبات الآخرة أو منقصة لها ولا بدّ كما تقدّم بيانه٣، بخلاف من استكمل طيباته في الآخرة لما منع منها في الدنيا، وأتي رسول اللَّه ﷺ بسويق لوز، فأبى أن يشربه، وقال: "هذا شراب المترفين"٤.
قالوا: وقد سُئل الحسن البصري فقيل له: رجلان أحدهما تارك
(١) "المسند" (٤/ ٢٣٠)، و"جامع الترمذي" (٢٣٢٥). وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤٢٢٨). وسيذكر المصنف لفظه قريبًا.
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) سبق ذلك ص (٤٠٤) وما بعدها.
(٤) رواه نعيم بن حماد في "زوائد الزهد" لابن المبارك رقم (٢٠٠)، وأحمد في "الزهد" رقم (٢٣)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٣٩٥).
للدنيا، والآخر يكتسبها ويتصدق بها فقال: "التارك لها أحب إليّ"١.
قالوا: وقد سُئل المسيح قبله عن هذه المسألة عن رجلين مرّ أحدهما بلبنة ذهب، فتخطاها ولم يلتفت إليها ومرّ بها الآخر، فأخذها وتصدّق بها، فقال: "الذي لم يلتفت إليها أفضل"٢.
ويدل على هذا أن رسول اللَّه ﷺ مرّ بها، فلم يلتفت إليها، ولو أخذها لأنفقها في سبيل اللَّه.
قالوا: والفقير الفقيه في فقره يمكنه٣ لحاق الغنيّ في جميع ما ناله بغناه بنيته وقوله، فيساويه في أجره، ويتميز عنه بعدم الحساب على المال، فساواه في ثوابه، وتخلص من حسابه، كما تميز عنه بسبقه إلى الجنة بخمسمائة عام، وتميز عنه بثواب صبره على ألم الفقر وخصاصته.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه بن نمير حدثنا عبادة بن مسلم حدثني يونس بن خباب عن أبي البختري الطائي عن أبي كبشة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، فأما الثلاث التي٤ أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٥٦٤)، وأحمد في "الزهد" رقم (١٥٥٤)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٥١)، أنه قيل له: رجلان طلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها، فوصل فيه رحمه وقدم فيها لنفسه، وجانب الآخر الدنيا، فقال: أحبّهما إليّ الذي جانب الدنيا". ورواه أحمد في "الزهد" أيضًا رقم (١٥٤٣) بنحوه.
(٢) سبق هذا الأثر ص (٢١٥).
(٣) في الأصل: "يمكن"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) في الأصل: "الذي"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى، ومن المسند.