عدة الصابرين

بالميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة، وخص بالانتفاع بآياته أهلَ الصبر والشكر تمييزًا لهم بهذا الحظ الموفور، فقال في أربع آيات من كتابه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]، [لقمان: ٣١]، [سبأ: ١٩]، [الشورى: ٣٣].

وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر، وذلك على من يسَّرَه عليه يسير، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ١١﴾ [هود: ١١].

وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أهلها لا تبور، فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ٤٣﴾ [الشورى: ٤٣].

وأمر رسوله بالصبر لحكمه، وأخبر أن صبره إنما هو به، وبذلك جميع المصائب تهون، فقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ١٢٧ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ١٢٨﴾ [النحل: ١٢٧ - ١٢٨].

فالصبر آخيّة المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها١، وساقُ إيمانه

  1. (١) الآخيّة بالمد والتشديد: عود أو حبل يعرض في الحائط ويدفن طرفاه فيه، ويصير وسطه كالعروة تشدّ إليه الدّابّة. انظر "النهاية" لابن الأثير (١/ ٢٩)، و"لسان العرب" (١٤/ ٢٣).
    ولعل المصنف استفاد هذه العبارة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مثل المؤمن ومثل الإيمان، كمثل الفرس في آخيّته، يجول ثم يرجع إلى آخيّته". رواه أحمد في "مسنده" (٣/ ٥٥).
    قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٠١): "رواه أحمد وأبو يعلى =
8

التي لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمانٌ قليلٌ في غاية الضعف، وصاحبه ممن ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج/ ١١]١، ولم يحظَ منهما إلا بالصفقة الخاسرة، فخير عيشٍ أدركه السعداءُ بصبرهم، وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

  1. = ورجالهما رجال الصحيح غير أبي سليمان الليثي وعبد اللَّه بن الوليد التميمي وكلاهما ثقة".
    كذا قال ﵀، إلا أن أبا سليمان الليثي قال فيه علي بن المديني: مجهول، وعبد اللَّه بن الوليد ليّن الحديث، كما في التقريب.
    انظر: "تعجيل المنفعة" ص: ٤٩٢، و"تقريب التهذيب" ص: ٥٥٦.
    لذا ضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهييب" رقم: ١٨٣١.
    قال ابن الأثير في "النهاية" (١/ ٣٠): "ومعنى الحديث أنه يبعد عن ربّه بالذنوب، وأصل إيمانه ثابت" اهـ.
  2. (١) في (ن) أكمل الآية إلى قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ١١﴾.
9

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي