وقد شهد رسول اللَّه ﷺ بأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وفسر اليد العليا بالمعطية، والسفلى بالسائلة١.
وقد عدّد اللَّه سبحانه على رسوله من نعمه أن أغناه بعد فقره٢، وكان غناه هو الحالة التي نقله إليها، وفقره الحالة التي نقله منها، وهو سبحانه كان ينقله من الشيء إلى ما هو خير منه.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ٤﴾[الضحى: ٤]: إن المراد به الحالتان، أي: كل حالة لك خير مما قبلها، ولهذا عقّبه بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥﴾[الضحى: ٥]، فهذا يدخل فيه عطاؤه في الدنيا والآخرة.
قالوا: والغنى مع الشكر زيادة فضل ورحمة: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ١٠٥﴾[البقرة: ١٠٥].
قالوا: والأغنياء الشاكرون سبب لطاعة الفقراء الصّابرين، لتقويتهم إياهم بالصدقة عليهم، والإحسان إليهم، وإعانتهم على طاعتهم، فلهم نصيب وافر من أجور الفقراء، زيادة إلى نصيبهم من أجر الإنفاق وطاعاتهم التي تخصهم، كما في "صحيح ابن خزيمة" من رواية سلمان الفارسي عن النبي ﷺ وذكر شهر رمضان، فقال: "من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن
(١) روى البخاري في "صحيحه" رقم (١٤٢٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠٣٣) عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة".
(٢) قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ٨﴾[الضحى: ٨].
ينقص من أجره شيء"١.
فقد حاز الغني الشاكر أجر صيامه هو، ومثل أجر الفقير الذي فطّره.
قالوا: ولو لم يكن للغنيّ الشاكر إلا فضل الصدقة التي لما تفاخرت الأعمال كان الفخر لها عليهن، كما ذكر النضر بن شميل عن قرة عن سعيد بن المسيب أنه حدث عن عمر بن الخطاب قال: "ذُكر أن الأعمال الصالحة تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم"٢.
قالوا: والصدقة وقاية بين العبد وبين النار، والمخلص المسرّ بها مستظلٌّ يوم القيامة في ظلّ العرش.
وقد روى عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب٣ عن أبي الخير عن عقبة بن عامر عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الصدقة لتطفئ على أهلها حرّ القبور، وإنما يستظلّ المؤمن يوم القيامة في ظلّ صدقته"٤.
(١) "صحيح ابن خزيمة" رقم (١٨٨٧). وقد روى الترمذي في "جامعه" رقم (٨٠٧)، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٧٤٦)، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من فطر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا". هذا لفظ الترمذي. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(٢) رواه ابن خزيمة في "صحيحه" رقم (٢٤٣٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٣٢٩). وإخراج ابن خزيمة له في صحيحه تصحيح له. وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٤١٦) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٣) في الأصل وفي سائر النسخ: "ويزيد بن أبي حبيب". مكان: "عن يزيد بن أبي حبيب". والتصويب من "المعجم الكبير" و"الكامل".
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" رقم (٧٨٧) و(٧٨٨) من المجلد (١٧)، وابن عدي =