عدة الصابرين

وتزيد في العمر، وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم، وتدفعُ عن صاحبها عذاب القبر، وتكون عليه ظلًّا يوم القيامة، وتشفع له عند اللَّه، وتهونُ عليه شدائد الدنيا والآخرة، وتدعوه إلى سائر أعمال البر فلا تستعصي عليه، وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك.

قالوا: ولو لم يكن في النفع والإحسان إلا أنه صفة اللَّه سبحانه، وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها١، فيُحبّ العليم والجواد والحييّ والسّتّير، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم، فصفته الغنى والجود، ويحب الغنيّ الجواد.

قالوا: ويكفي في فضل النفع المتعدي بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل، فمن كسا مؤمنًا كساه اللَّه من حلل الجنة، ومن أشبع جائعًا أشبعه اللَّه من ثمار الجنة، ومن سقى ظمآنًا سقاه اللَّه من شراب الجنة، ومن أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه٢.

  1. (١) في الأصل: "وآثاره"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) يروى عن النبي ﷺ: "أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عُري كساه اللَّه من خُضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع، أطعمه اللَّه من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمأ سقاه اللَّه من الرحيق المختوم".
    رواه أبو داود في "سننه" رقم (١٦٨٢)، والترمذي في "جامعه" رقم (٢٤٤٩)، وقال: "حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي".
    أما إعتاق الرقبة، فقد قال ﷺ: "من أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه". =
491

ومن يسّر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه١.

قالوا: ونحن لا ننكر فضيلة الصبر على الفقر، ولكن أين تقع من هذه الفضائل؟ وقد جعل اللَّه لكل شيء قدرًا.

قالوا: وقد جعل رسول اللَّه ﷺ الطاعمَ٢ الشاكرَ بمنزلة الصائم الصابر٣، ومعلوم أنه إذا تعدّى شكره إلى الإحسان إلى الغير ازداد درجة أخرى؛ فإن الشكر يتضاعف إلى ما لا نهاية له، بخلاف الصبر فإن له حدًّا يقف عنده. وهذا دليل مستقلٌّ في المسألة.

يوضحه: أن الشكر أفضل من الرضى الذي هو أعلى من الصبر، فإذا كان الشاكر أفضل من الراضي الذي هو أفضل من الصابر، كان أفضل من الصابر بدرجتين.

قالوا: وفي "الصحيحين" من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه

  1. = رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٧١٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٥٠٩)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (١) قال ﷺ: "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
    رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
  4. (٣) سبق تخريجه ص (٢١٤).
492

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي