عدة الصابرين

ومن يسّر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه١.

قالوا: ونحن لا ننكر فضيلة الصبر على الفقر، ولكن أين تقع من هذه الفضائل؟ وقد جعل اللَّه لكل شيء قدرًا.

قالوا: وقد جعل رسول اللَّه ﷺ الطاعمَ٢ الشاكرَ بمنزلة الصائم الصابر٣، ومعلوم أنه إذا تعدّى شكره إلى الإحسان إلى الغير ازداد درجة أخرى؛ فإن الشكر يتضاعف إلى ما لا نهاية له، بخلاف الصبر فإن له حدًّا يقف عنده. وهذا دليل مستقلٌّ في المسألة.

يوضحه: أن الشكر أفضل من الرضى الذي هو أعلى من الصبر، فإذا كان الشاكر أفضل من الراضي الذي هو أفضل من الصابر، كان أفضل من الصابر بدرجتين.

قالوا: وفي "الصحيحين" من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه

  1. = رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٧١٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٥٠٩)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (١) قال ﷺ: "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
    رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
  4. (٣) سبق تخريجه ص (٢١٤).
492

اللَّه١ القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار"٢، فجعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به.

قالوا: وقد صرّح في حديث أبي كبشة الأنماري٣: أن٤ صاحب المال إذا عمل في ماله بعلمه، واتقى فيه ربه، ووصل به رحمه، وأخرج منه حق اللَّه فهو بأعلى المنازل عند اللَّه -وهذا صريح في تفضيله- وجعل الفقير الصادق إذا نوى أن يعمل بعمله، وقال ذلك بلسانه، ثانيًا له، وأنه بنيته وقوله وأجرهما سواء، فإن كلًّا منهما نوى خيرًا وعمل ما يقدر عليه، فالغني نواه ونفذه بعمله، والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه، فاستويا في الأجر من هذه الجهة.

ولا يلزم من استوائهما في أصل الأجر استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، فإن الأجر على العمل والنيّة له مزية على الأجر على مجرد النية التي قارنها القول، ومن نوى الحجّ ولم يكن له مال يحجّ به وإن أثيب على ذلك، فإن ثواب من٥ باشر أعمال الحجّ مع النية، له مزيّة عليه.

وإذا أردت فهم هذا، فتأمل قول النبي ﷺ: "من سأل اللَّه الشهادة خالصًا٦ من قلبه بلغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه"٧.

  1. (١) ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث.
  2. (٢) "صحيح البخاري" رقم (٧٥٢٩)، و"صحيح مسلم" رقم (٨١٥).
  3. (٣) وقد سبق تخريجه ص (٤٨٢).
  4. (٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  5. (٥) "ثواب من" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
  6. (٦) في النسخ الثلاث الأخرى: "صادقًا".
  7. (٧) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (١٩٠٩) من حديث سهل بن حنيف رضي اللَّه =
493

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي