عدة الصابرين

اللَّه١ القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار"٢، فجعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به.

قالوا: وقد صرّح في حديث أبي كبشة الأنماري٣: أن٤ صاحب المال إذا عمل في ماله بعلمه، واتقى فيه ربه، ووصل به رحمه، وأخرج منه حق اللَّه فهو بأعلى المنازل عند اللَّه -وهذا صريح في تفضيله- وجعل الفقير الصادق إذا نوى أن يعمل بعمله، وقال ذلك بلسانه، ثانيًا له، وأنه بنيته وقوله وأجرهما سواء، فإن كلًّا منهما نوى خيرًا وعمل ما يقدر عليه، فالغني نواه ونفذه بعمله، والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه، فاستويا في الأجر من هذه الجهة.

ولا يلزم من استوائهما في أصل الأجر استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، فإن الأجر على العمل والنيّة له مزية على الأجر على مجرد النية التي قارنها القول، ومن نوى الحجّ ولم يكن له مال يحجّ به وإن أثيب على ذلك، فإن ثواب من٥ باشر أعمال الحجّ مع النية، له مزيّة عليه.

وإذا أردت فهم هذا، فتأمل قول النبي ﷺ: "من سأل اللَّه الشهادة خالصًا٦ من قلبه بلغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه"٧.

  1. (١) ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث.
  2. (٢) "صحيح البخاري" رقم (٧٥٢٩)، و"صحيح مسلم" رقم (٨١٥).
  3. (٣) وقد سبق تخريجه ص (٤٨٢).
  4. (٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  5. (٥) "ثواب من" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
  6. (٦) في النسخ الثلاث الأخرى: "صادقًا".
  7. (٧) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (١٩٠٩) من حديث سهل بن حنيف رضي اللَّه =
493

ولا ريب أن ما حصل للمقتول في سبيل اللَّه من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على ما حصل لناوي ذلك إذا مات على فراشه وإن بلغ منزلة الشهيد.

فهاهنا أمران: أجر وقرب، فإن استويا في أصل الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا وقربًا خاصًّا، وهو فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.

وقد قال ﷺ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه"١، فاستويا في دخول النار، ولا يلزم استواؤهما في الدرجة ومقدار العذاب، فأعطِ ألفاظ الرسول ﷺ حقّها، ونزّلها منازلها، يتبيّن لك المراد.

يوضّح هذا: أن فقراء المهاجرين شكوا إلى رسول اللَّه ﷺ وقالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصومون كما نصوم، ويصلون كما نصلي، ولهم فضول أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون

  1. = عنه أن النبي ﷺ قال: "من سأل اللَّه الشهادة بصدق بلّغه اللَّه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه".
    ورواه أحمد في "مسنده" (٥/ ٢٤٣)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (٣١٩١) من حديث معاذ بن جبل ﵁ بلفظ: "ومن سأل اللَّه الشهادة مخلصًا. . . ".
    وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٥٥٦).
  2. (١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٨٨)، كلاهما من حديث أبي بكرة ﵁.
494

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي