التي لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمانٌ قليلٌ في غاية الضعف، وصاحبه ممن ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾[الحج/ ١١]١، ولم يحظَ منهما إلا بالصفقة الخاسرة، فخير عيشٍ أدركه السعداءُ بصبرهم، وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
= ورجالهما رجال الصحيح غير أبي سليمان الليثي وعبد اللَّه بن الوليد التميمي وكلاهما ثقة". كذا قال ﵀، إلا أن أبا سليمان الليثي قال فيه علي بن المديني: مجهول، وعبد اللَّه بن الوليد ليّن الحديث، كما في التقريب. انظر: "تعجيل المنفعة" ص: ٤٩٢، و"تقريب التهذيب" ص: ٥٥٦. لذا ضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهييب" رقم: ١٨٣١. قال ابن الأثير في "النهاية" (١/ ٣٠): "ومعنى الحديث أنه يبعد عن ربّه بالذنوب، وأصل إيمانه ثابت" اهـ.
(١) في (ن) أكمل الآية إلى قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ١١﴾.
فصل١
ولما كان الإيمان نصفين: نصفَ صبر ونصفَ شكر، كان حقيقًا على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها، أن لا يهمل هذين الأصلين العظيمين، ولا يعدِل عن هذين الطريقين [القاصدين]٢ وأن يجعل سيره إلى اللَّه بين هذين الطريقين٣؛ ليجعله يوم لقائه مع خير الفريقين.
فلذلك وضع هذا الكتاب للتعريف بشدة الحاجة والضرورة إليهما، وبيان توقف سعادة الدنيا والآخرة عليهما، فجاء كتابًا جامعًا حاويًا نافعًا، فيه من الفوائد ما هو حقيق أن يُعضّ عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر، ممتعًا لقارئه، مُرِيحًا للناظر فيه، مسلّيًا للحزين، منهضًا للمقصرين، محرّضًا للمشمرين.
مشتملًا على نكت حِسانٍ من تفسير القرآن، وعلى أحاديثَ نبويةٍ معزوةٍ إلى مظانها، وآثار سلفية منسوبة إلى قائلها، ومسائلَ فقهية حسان مقررة بالدليل، ودقائق سلوكية على سواء السبيل٤، وذكرِ أقسام الصبر
(١) المقدمة الآتية استفادها المصنف ﵀ من كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٥٢). وقد أفرد الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٢ - ١٢٠) للصبر والشكر كتابًا، وهو الكتاب الثاني من ربع المنجيات.
(٢) ما بين المعكوفين من النسخ الأخرى، ولعله سقط من الأصل.
(٣) في (م): "الجناحين".
(٤) في (م)، (ب) زيادة: "لا تخفى معرفة ذلك على من فكّر وأحضر ذهنه، فإن فيه ذكر أقسام. . . ". وفي (ن): "لا تخفى. . . ذهنه وذكر أقسام. . . ".