عدة الصابرين

وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: "إن أخذتم به سبقتم من قبلكم، ولم يلحقكم من بعدكم"١، وهذا يدل على أن الأغنياء لا يلحقونهم، وإن قالوا مثل قولهم.

وقوله: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" معناه: أن فضل اللَّه ليس مقصورًا عليكم دونهم، فكما آتاكم اللَّه فضله بالذكر، كذلك يؤتيهم٢ إياه إذا عملوا مثلكم وليس في هذا دليل أنهم أفضل منكم، وإنما معناه أن فضل اللَّه يؤتيه الذي ساووكم بذكره يتناولهم مثلكم أيضا، فأنتم فهمتم من الفضل التخصيص فوضعتموه في غير موضعه، وإنما معناه العموم والشمول، وأن فضله عام شامل للأغنياء والفقراء فلا تذهبون به دونهم، فأين في الحديث التفضيل لكم علينا؟!

قالوا: فيحتمل قوله: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء". ثلاثة أمور:

أحدها: سبقهم لكم بالإنفاق.

والثاني: مساواتكم بهم في فضيلة الذكر فلم تختصّوا به دونهم.

والثالث: سبقكم لهم إلى الجنة بنصف يوم.

وهذا وإن كان لا ذكر له في هذه الرواية فهو مذكور في بعض طرقه.

قال البزار في "مسنده": حدثنا الوليد بن عمرو حدثنا محمد بن الزبرقان حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال:

  1. (١) لم أقف عليه هكذا.
    وقد رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٨٤٣)، بلفظ: "أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم".
  2. (٢) في الأصل: "يؤتيه"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
496

اشتكى فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه ﷺ ما فضل به أغنياؤهم، فقالوا: يا رسول اللَّه إخواننا صدّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا، وصاموا صيامنا، ولهم أموال يتصدقون منها، ويصِلون منها الرحم، وينفقونها في سبيل اللَّه، ونحن مساكين لا نقدر على ذلك، فقال: "ألا أخبركم بشيء إذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل فضلهم، قولوا: اللَّه أكبر في دبر كل صلاة إحدى عشرة مرة، والحمد للَّه مثل ذلك، ولا إله إلا اللَّه مثل ذلك، وسبحان اللَّه مثل ذلك، تدركون مثل فضلهم"، ففعلوا، فذكروا ذلك للأغنياء ففعلوا مثل ذلك، فرجع الفقراء إلى رسول اللَّه ﷺ فذكروا ذلك، فقالوا: هؤلاء إخواننا فعلوا مثل ما نقول، فقال: "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، يا معشر الفقراء ألا أبشركم أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، خمسمائة عام". وتلا موسى بن عبيدة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ٤٧﴾ [الحج: ٤٧]١.

قالوا: فهذا خبر واحد، وكلام متصل، ذَكَرَهُ بشارة لهم عند ما ذكروا مساواة الأغنياء لهم في القول المذكور، فأشبه أن يرجع الفضل إلى سبق الفقراء للأغنياء، وأنهم بهذه البشارة مخصوصون، فكان السبق لهم دون غيرهم، وإن تساووا في القول، وساووهم في الإنفاق في النية، كما في حديث أبي كبشة المتقدم٢، وخلصت لهم مزية الفقر.

قالت الأغنياء: قد بالغتم في صرف الحديث عن مقصوده إلى

  1. (١) "مسند البزار" -كما في "كشف الأستار" (٣٠٩٤) -.
    وأخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٢٤) من طريق موسى بن عبيدة به مختصرًا.
  2. (٢) ص (٤٨٢).
497

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي