عدة الصابرين

الدنيا١ أنفع منه في هذا الزمان، والخير كالخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر"٢.

قالوا: وقد جعل اللَّه سبحانه المال سببًا لحفظ البدن، وحفظه سببًا لحفظ النفس التي هي محل معرفة اللَّه والإيمان به وتصديق رسله ومحبته والإنابة إليه، فهو سبب عمارة الدنيا والآخرة، وإنما يُذم منه ما استخرج من غير وجهه وصرف في غير حقّه، واستعبد صاحبه وملك قلبه وشغله عن اللَّه والدار الآخرة، فيذمّ منه ما يَتوسل به صاحبه إلى المقاصد الفاسدة أو شغله عن المقاصد المحمودة، فالذمّ للجاعل لا للمجعول.

كما قال النبي ﷺ: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم"٣، فذمّ عبدهما دونهما.

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان عن يزيد بن ميسرة قال: "كان رجل ممن مضى جمع مالًا فأوعى، ثم أقبل على نفسه وهو في أهله، فقال: انعمي سنين. فأتاه ملك الموت، فقرع الباب في صورة مسكين، فخرجوا إليه، فقال: ادعوا لي صاحب الدار، فقالوا: يخرج سيدنا إلى مثلك؟! ثم مكث قليلًا، ثم عاد فقرع باب الدار وصنع مثل ذلك وقال: أخبروه أني ملك الموت. فلما سمع سيدهم قعد فزعًا،

  1. (١) بعد هذه الكلمة في الأصل: "في زمان". وهي مكررة وحذفها موافق للنسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) روى ابن حبان في "روضة العقلاء" ص ٢٥٣ الشطر الأول منه.
    ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٨٠) عن يوسف بن أسباط عن الثوري قوله.
  3. (٣) سبق تخريجه ص (٤٢٨).
500

وقال: لينوا له الكلام. قالوا: ما تريد غير سيدنا بارك اللَّه فيك. قال: لا، فدخل عليه، فقال: قم فأوصِ ما كنت موصيًا، فإني قابض نفسك قبل أن أخرج. قال: فصرخ أهله وبكوا، ثم قال: افتحوا الصناديق وافتحوا أوعية المال. ففتحوها جميعها فأقبل على المال يلعنه ويسبّه، ويقول: لُعنت من مال، أنت الذي نسيتني ربي وشغلتني عن العمل لآخرتي حتى بلغني أجلي. فتكلم المال فقال: لا تسبّني، ألم تكن وضيعًا في أعين الناس فرفعتك؟١ وكنت تحضر سدد الملوك٢ ويحضر عباد اللَّه الصالحون فلا يدخلون؟ ألم تكن تخطب بنات الملوك والسادة فتُنكح، ويخطب عباد اللَّه الصالحون فلا ينكحون؟ ألم تكن تنفقني في سبيل الخبث فلا أتعاصى، ولو أنفقتني في سبيل اللَّه لم أتعاصَ عليك؟! وأنت ألوم مني، إنما خلقت أنا وأنتم يا بني آدم من تراب، فمنطلقٌ ببرّ ومنطلق بإثم٣ "٤.

وفي أثر آخر يقول اللَّه ﵎: "أموالنا رجعت إلينا، سعد بها من سعد، وشقي بها من شقي"٥.

قالوا: ومن فوائد المال: أنه قوام العبادات والطاعات، وبه قام سوق الحجّ والجهاد، وبه حصل الإنفاق الواجب والمستحب، وبه حصلت قربات العتق والوقف وبناء المساجد والقناطر وغيرها، وبه

  1. (١) بعد هذه الكلمة في (ب): "ألم يُرَ عليك من أثري".
  2. (٢) بعد هذه الكلمة في (ب) وط السلفية: "والسادة فتدخل".
  3. (٣) بعد هذه الكلمة في النسخ الثلاث: "فهكذا يقول المال فاحذروا".
  4. (٤) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٢٤٠ - ٢٤١)، من طريق أحمد به نحوه.
  5. (٥) لم أقف عليه.
501

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي