عدة الصابرين

يتوصل إلى النكاح الذي هو أفضل من التخلي لنوافل العبادة، وعليه قام سوق المروءة، وبه ظهرت صفة الجود والسّخاء، وبه وقيت الأعراض، وبه اكتسبت الإخوان والأصدقاء، وبه توصل الأبرار إلى الدرجات العلا ومرافقة الذين أنعم اللَّه عليهم، فهو مرقاة يصعد فيها إلى أعلى غرف الجنة، ويهبط منها إلى أسفل سافلين، وهو مقيم مجد الماجد، كما كان بعض السلف يقول: "اللهم لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال"١.

وكان بعضهم يقول: "اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى"٢.

وهو من أسباب رضي اللَّه عن العبد، كما يكون من أسباب سخطه عليه، وهؤلاء الثلاثة الذين ابتلاهم اللَّه به: الأبرص، والأقرع، والأعمى، نال به الأعمى رضى ربه، ونالا به سخطه٣.

والجهاد ذروة سنام العمل، وتارة يكون بالنفس، وتارة يكون بالمال،

  1. (١) هذا القول مروي عن سعد بن عبادة ﵁، رواه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٦١٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" رقم (٢٦٦١٩)، وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" رقم (٥٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٢٥٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٠/ ٢٦٣).
  2. (٢) لم أقف عليه، وهو مروي عن فيس بن سعد، كما سيأتي عند المصنف ص (٤٩٠).
    إلا أنه في الأثر السابق المروي عن سعد بن عبادة فيه قوله: "اللهم لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه". وهو بمعناه. واللَّه أعلم.
  3. (٣) روى هذا الحديث: البخاري في "صحيحه" رقم (٣٤٦٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٦٤)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
502

وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع، وبأي شيء فضّل عثمان على على، وعلى أكثر جهادًا بنفسه وأسبق إسلامًا من عثمان؟! وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر، وتأثيرهم في الدين أعظم من تأثير أهل الصفّة.

وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن إضاعته١، وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء، وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغى بها وجه اللَّه إلا ازداد بها درجة ورفعة٢.

وقد استعاذ رسول اللَّه ﷺ من الفقر وقرنه بالكفر، [فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر"٣]٤، فإن الخير نوعان: خير الآخرة والكفر يضاده، وخَيرُ الدنيا والفقر يضاده، فالفقر سبب عذاب الدنيا، والكفر سبب عذاب الآخرة.

واللَّه سبحانه جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء، وأخذها وظيفة

  1. (١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٧٣)، ومسلم في "صحيحه" (٢/ ١٣٤١) رقم (٥٩٣) كلاهما من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
  2. (٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٩٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٢٨)، كلاهما من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
  3. (٣) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٥٠٩٠)، والنسائي في "المجتبى" رقم (١٣٤٧)، من حديث أبي بكرة ﵁.
    وصححه ابن خزيمة فأخرجه في "صحيحه" برقم (٧٤٧). وله شواهد أخرى لا نطيل بذكرها.
  4. (٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى، مع تقديم وتأخير بين كلمتي: "الفقر" و"الكفر".
503

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي