وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع، وبأي شيء فضّل عثمان على على، وعلى أكثر جهادًا بنفسه وأسبق إسلامًا من عثمان؟! وهذا الزبير وعبد الرحمن بن عوف أفضل من جمهور الصحابة مع الغنى الوافر، وتأثيرهم في الدين أعظم من تأثير أهل الصفّة.
وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن إضاعته١، وأخبر أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير له من تركهم فقراء، وأخبر أن صاحب المال لن ينفق نفقة يبتغى بها وجه اللَّه إلا ازداد بها درجة ورفعة٢.
وقد استعاذ رسول اللَّه ﷺ من الفقر وقرنه بالكفر، [فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر"٣]٤، فإن الخير نوعان: خير الآخرة والكفر يضاده، وخَيرُ الدنيا والفقر يضاده، فالفقر سبب عذاب الدنيا، والكفر سبب عذاب الآخرة.
واللَّه سبحانه جعل إعطاء الزكاة وظيفة الأغنياء، وأخذها وظيفة
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٧٣)، ومسلم في "صحيحه" (٢/ ١٣٤١) رقم (٥٩٣) كلاهما من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٩٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٢٨)، كلاهما من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٣) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٥٠٩٠)، والنسائي في "المجتبى" رقم (١٣٤٧)، من حديث أبي بكرة ﵁. وصححه ابن خزيمة فأخرجه في "صحيحه" برقم (٧٤٧). وله شواهد أخرى لا نطيل بذكرها.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى، مع تقديم وتأخير بين كلمتي: "الفقر" و"الكفر".
الفقراء، وفرق بين اليدين شرعًا وقدرًا، وجعل يد المعطي أعلى من يد الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرّمها على أطيب خلقه وعلى آله؛ صيانة لهم وتشريفًا ورفعًا لأقدارهم١.
ونحن لا ننكر أن رسول اللَّه ﷺ كان فقيرًا ثم أغناه اللَّه، وفتح عليه وخوّله ووسّع عليه، وكان يدّخر لأهله قوت سنة٢، ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره، وكان يُعطي عطاء من لا يخاف الفقر٣، ومات عن فدك والنضير وأموال خصّه اللَّه بها٤، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾[الحشر: ٧].
فنزّهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغّ أخذ الصدقة، وعوّضه عما نزّهه عنه٥ بأشرف المال وأحلّه وأفضله، وهو ما أخذه بظلّ رمحه وقائم
(١) روى مسلم في "صحيحه" رقم (١٠٧٢) من حديث عبد المطلب بن ربيعة أن النبي ﷺ قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
(٢) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (٥٣٥٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٥٧)، كلاهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) روى مسلم في "صحيحه" رقم (٢٣١٢) من حديث أنس بن مالك قال: "ما سئل رسول اللَّه ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة".
(٤) انظر في فدك: "صحيح البخاري" رقم (٤٠٣٥)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٥٩)، من حديث عائشة ﵂. وانظر في النضير: "صحيح البخاري" رقم (٢٩٠٤)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٥٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) في الأصل: "به"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.