الفقراء، وفرق بين اليدين شرعًا وقدرًا، وجعل يد المعطي أعلى من يد الآخذ، وجعل الزكاة أوساخ المال، ولذلك حرّمها على أطيب خلقه وعلى آله؛ صيانة لهم وتشريفًا ورفعًا لأقدارهم١.
ونحن لا ننكر أن رسول اللَّه ﷺ كان فقيرًا ثم أغناه اللَّه، وفتح عليه وخوّله ووسّع عليه، وكان يدّخر لأهله قوت سنة٢، ويعطي العطايا التي لم يعطها أحد غيره، وكان يُعطي عطاء من لا يخاف الفقر٣، ومات عن فدك والنضير وأموال خصّه اللَّه بها٤، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾[الحشر: ٧].
فنزّهه ربه سبحانه عن الفقر الذي يسوغّ أخذ الصدقة، وعوّضه عما نزّهه عنه٥ بأشرف المال وأحلّه وأفضله، وهو ما أخذه بظلّ رمحه وقائم
(١) روى مسلم في "صحيحه" رقم (١٠٧٢) من حديث عبد المطلب بن ربيعة أن النبي ﷺ قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس".
(٢) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (٥٣٥٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٥٧)، كلاهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) روى مسلم في "صحيحه" رقم (٢٣١٢) من حديث أنس بن مالك قال: "ما سئل رسول اللَّه ﷺ على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة".
(٤) انظر في فدك: "صحيح البخاري" رقم (٤٠٣٥)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٥٩)، من حديث عائشة ﵂. وانظر في النضير: "صحيح البخاري" رقم (٢٩٠٤)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٥٧)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) في الأصل: "به"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
سيفه من أعداء اللَّه١ الذين كان مال٢ اللَّه بأيديهم ظلمًا وعدوانًا، فإنه خلق المال ليستعان به على طاعته، [وهو بأيدي الكفار والفجار ظلمًا وعدوانًا، فإذا رجع إلى أوليائه وأهل طاعته]٣ فاء إليهم ما خلق لهم، ولكن لم يكن غنى رسول اللَّه ﷺ وملكه من جنس غنى بني الدنيا وأملاكهم؛ فإن غناهم بالشيء، وغناه ﷺ عن الشيء، وهو الغِنَى العالي، وملكهم ملك يتصرفون فيه بحسب إرادتهم، وهو ﷺ إنما يتصرف في ملكه بالأمر تصرّف العبد الذي لا يتصرف إلا بأمر سيّده.
وقد اختلف الفقهاء في الفيء هل كان ملكًا للنبي ﷺ؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد٤.
والتحقيق: أن ملكه له كان نوعًا آخر من الملك، وهو ملك يتصرف فيه بالأمر كما قال ﷺ: "واللَّه لا أُعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"٥.
وذلك من كمال مرتبة عبوديته، [ولأجل ذلك لم يورّث؛ فإنه عبد
(١) روى أحمد في "مسنده" (٢/ ٥٠) عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "بعثت بالسيف حتى يعبد اللَّه لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي". وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (٥/ ١٠٩).
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) انظر: "منهاج السنة" لشيخ الإسلام (٦/ ١٠٩)، و"الفتاوى الكبرى" له (٤/ ٢٤١).
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١١٧) من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه.