عدة الصابرين

ودَينهم، فقال: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًّا فإليّ وعليّ"١.

فرفع اللَّه سبحانه قدره أن يكون من جملة الفقراء الذين تحلّ لهم الصدقة، كما نزهه أن يكون من جملة الأغنياء الذين غناهم بالأموال الموروثة، بل أغناه به عن سواه، وأغنى قلبه كل الغنى، ووسّع عليه غاية السعة، فأنفق غاية الإنفاق، وأعطى أجل العطايا، وما استأثر بالمال، ولا اتخذ منه عقارًا ولا أرضًا ولا ترك شاة ولا بعيرًا ولا عبدًا ولا أمة ولا دينارًا ولا درهمًا.

فإذا احتجّ الغني الشاكر بحاله ﷺ لم يمكنه ذلك إلا بعد أن يفعل فعله، كما أن الفقير الصابر إذا احتج بحاله لم يمكنه ذلك إلا بعد أن يصبر صبره ويترك الدنيا اختيارًا لا اضطرارًا، فرسول اللَّه ﷺ وفى كل مرتبة من مرتبتي الفقر والغنى حقَّها وعبوديتها، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه أغنى به الفقراء فما نالت أمّته الغنى إلا به، وأغنى الناس من صار به غيره غنيًّا.

قال عليّ بن رباح اللخمي: كنت عند مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو يومئذ على مصر، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص جالس معه، فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب فقال: لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة اللَّه وكرامته، لعلم أن ابن أخيه سيّد قد جاء بخير. فقال

  1. (١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٣٩٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦١٩) (١٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًّا فإلينا".
    ورواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٨٩٩ - ٢٩٠٠)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٢٧٣٨)، كلاهما من حديث المقدام الكندي نحوه.
507

عبد اللَّه بن عمرو: ويومئذ كان سيدًا كريمًا قد جاء بخير كثير. فقال مسلمة: ألم يقل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ٨﴾ [الضحى: ٦ - ٨] فقال عبد اللَّه بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيمًا من أبويه، وأما العيلة فكل ما كان بأيدي العرب إلى القفة١.

يقول: إن العرب كلها كانت مقلّة حتى فتح اللَّه عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا، ثم توفاه اللَّه قبل أن يتلبّس منها بشيء، ومضى وتركها، وحذر منها ومن فتنتها قال: فذلك معنى قوله: ﴿عَائِلًا فَأَغْنَى ٨﴾.

وأما قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ٢ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥﴾ [الضحى: ٥] فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها لأمته وهو يُحذر منها، وتعرض عليه فيأباها، وإنما هو ما يعطيه من الثواب، وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر، ودخول الناس في الإسلام، وظهور الدين إذ كان ذلك محبته ورضاه صلوات اللَّه وسلامه عليه.

وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد اللَّه عن علي بن عبد اللَّه بن عباس [عن أبيه]٣ عن النبي ﷺ قال: "رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرًا كفرًا، فسرّني ذلك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى ١﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥﴾ [الضحى: ١ - ٥] " قال: "أُعطي

  1. (١) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٦٢).
  2. (٢) "ربك"، سقطت من الأصل.
  3. (٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وسائر النسخ الثلاث. واستدركته من مصدرَيْ التخريج.
508

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي