عدة الصابرين

عبد اللَّه بن عمرو: ويومئذ كان سيدًا كريمًا قد جاء بخير كثير. فقال مسلمة: ألم يقل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ٨﴾ [الضحى: ٦ - ٨] فقال عبد اللَّه بن عمرو: أما اليتيم فقد كان يتيمًا من أبويه، وأما العيلة فكل ما كان بأيدي العرب إلى القفة١.

يقول: إن العرب كلها كانت مقلّة حتى فتح اللَّه عليه وعلى العرب الذين أسلموا ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا، ثم توفاه اللَّه قبل أن يتلبّس منها بشيء، ومضى وتركها، وحذر منها ومن فتنتها قال: فذلك معنى قوله: ﴿عَائِلًا فَأَغْنَى ٨﴾.

وأما قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ٢ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥﴾ [الضحى: ٥] فلم تكن الدنيا لترضيه وهو لا يرضاها لأمته وهو يُحذر منها، وتعرض عليه فيأباها، وإنما هو ما يعطيه من الثواب، وما يفتح عليه وعلى أمته من ملك كسرى وقيصر، ودخول الناس في الإسلام، وظهور الدين إذ كان ذلك محبته ورضاه صلوات اللَّه وسلامه عليه.

وروى سفيان الثوري عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد اللَّه عن علي بن عبد اللَّه بن عباس [عن أبيه]٣ عن النبي ﷺ قال: "رأيت ما هو مفتوح بعدي كفرًا كفرًا، فسرّني ذلك، فنزلت: ﴿وَالضُّحَى ١﴾ إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥﴾ [الضحى: ١ - ٥] " قال: "أُعطي

  1. (١) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٦٢).
  2. (٢) "ربك"، سقطت من الأصل.
  3. (٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وسائر النسخ الثلاث. واستدركته من مصدرَيْ التخريج.
508

ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له"١.

قالوا: وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقفل منها، فالزهد فيها لا ينافي الغنى، بل زهد الغنيّ أكمل من زهد الفقير، فإن الغنى زَهِد عن قدرة، والفقير عن عجز، وبينهما بون بعيد، ولهذا قال بعض السلف وقد سمّى له جماعة من الزهاد، فقال: الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي جاءت الدنيا إلى تحت قدميه فزهد فيها٢.

وقد كان رسول اللَّه ﷺ في حال غناه أزهد الخلق، وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال، وهو أزهد الناس في الدنيا.

وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "الزهادة ليست في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي اللَّه، وأن تكون في ثواب المصيبة -إذا أنت أُصبت بها- أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك"٣.

  1. (١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٢٦) ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٦١).
    وصححه الحاكم، وخالفه الذهبي.
    وللحديث طرق أخرى أخرجها: الطبراني في "الكبير" رقم (١٠٦٥٠)، وفي "الأوسط" رقم (٥٧٢)، (٣٢٠٩). والحديث صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٧٩٠).
    وكفرًا كفرًا أي: قرية قرية. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ١٨٩).
  2. (٢) رواه: أحمد في "المسند" (٥/ ٢٤٩)، وابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٥١)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٢٥٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/ ٢٠٩).
  3. (٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٤٠)، وقال: "حديث غريب لا نعرفه إلا =
509

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي