عدة الصابرين

ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له"١.

قالوا: وما ذكرتم من الزهد في الدنيا والتقفل منها، فالزهد فيها لا ينافي الغنى، بل زهد الغنيّ أكمل من زهد الفقير، فإن الغنى زَهِد عن قدرة، والفقير عن عجز، وبينهما بون بعيد، ولهذا قال بعض السلف وقد سمّى له جماعة من الزهاد، فقال: الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي جاءت الدنيا إلى تحت قدميه فزهد فيها٢.

وقد كان رسول اللَّه ﷺ في حال غناه أزهد الخلق، وكذلك إبراهيم الخليل كان كثير المال، وهو أزهد الناس في الدنيا.

وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "الزهادة ليست في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي اللَّه، وأن تكون في ثواب المصيبة -إذا أنت أُصبت بها- أرغب في ثوابها لو أنها بقيت لك"٣.

  1. (١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٢٦) ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٦١).
    وصححه الحاكم، وخالفه الذهبي.
    وللحديث طرق أخرى أخرجها: الطبراني في "الكبير" رقم (١٠٦٥٠)، وفي "الأوسط" رقم (٥٧٢)، (٣٢٠٩). والحديث صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٧٩٠).
    وكفرًا كفرًا أي: قرية قرية. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ١٨٩).
  2. (٢) رواه: أحمد في "المسند" (٥/ ٢٤٩)، وابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٥١)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٢٥٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/ ٢٠٩).
  3. (٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٤٠)، وقال: "حديث غريب لا نعرفه إلا =
509

وسُئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا١؟. قال: نعم، بشرط أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت٢.

وقال بعض السلف: الزاهد من لا يغلب الحلالُ شكرَه، ولا الحرام صبره٣.

وهذا من أحسن الحدود، فإن الزهد حقيقة مركبة من الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لم يتصف بهما، فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام، فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب الحلال شكره والحرام صبره، فكان شكره وصبره مغلوبين، فإن هذا ليس بزاهد.

وسمعت شيخ الإسلام يقول: الزهد تركك ما لا ينفعك، والورع تركك ما قد يضرّك٤.

فالزهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد منها، ويقابله الشحّ

  1. = من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٠٠).
  2. (١) في الأصل: "زائدا"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
  3. (٢) انظره في: "طبقات الحنابلة" (٢/ ١٤)، و"جامع العلوم والحكم": (٢/ ١٨٣).
    ونحوه مروي عن وهيب المكي وأبي موسى، رواه عنهما ابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٧/ ١٤٦).
  4. (٣) هذا مروي عن الزهري.
    أخرجه ابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٣٧١) و(٧/ ٢٨٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٥٣)، (١٠٧٧٦).
  5. (٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٢١) و(٢١/ ٣٠٥).
510

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي