عدة الصابرين

وسُئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا١؟. قال: نعم، بشرط أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت٢.

وقال بعض السلف: الزاهد من لا يغلب الحلالُ شكرَه، ولا الحرام صبره٣.

وهذا من أحسن الحدود، فإن الزهد حقيقة مركبة من الصبر والشكر فلا يستحق اسم الزاهد من لم يتصف بهما، فمن غلب شكره لما وسع عليه من الحلال وصبره لما عرض له من الحرام، فهو الزاهد على الحقيقة بخلاف من غلب الحلال شكره والحرام صبره، فكان شكره وصبره مغلوبين، فإن هذا ليس بزاهد.

وسمعت شيخ الإسلام يقول: الزهد تركك ما لا ينفعك، والورع تركك ما قد يضرّك٤.

فالزهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد منها، ويقابله الشحّ

  1. = من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٠٠).
  2. (١) في الأصل: "زائدا"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
  3. (٢) انظره في: "طبقات الحنابلة" (٢/ ١٤)، و"جامع العلوم والحكم": (٢/ ١٨٣).
    ونحوه مروي عن وهيب المكي وأبي موسى، رواه عنهما ابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٧/ ١٤٦).
  4. (٣) هذا مروي عن الزهري.
    أخرجه ابن الأعرابي في "الزهد" رقم (٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٣٧١) و(٧/ ٢٨٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٥٣)، (١٠٧٧٦).
  5. (٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٢١) و(٢١/ ٣٠٥).
510

والحرص، وهو ثلاثة أقسام: زهد في الحرام، وزهد في الشبهات والمكروه، وزهد في الفضلات.

فالأول: فرض.

والثالث: فضل.

والثاني: متوسط بينهما بحسب درجة الشبهة، فإن قويت التحق بالأول وإلا فبالثالث.

وقد يكون الثالث واجبًا بمعنى: أنه لا بدّ منه، وذلك لمن شمّر إلى اللَّه والدار الآخرة، فزهده في الفضلة يكون ضرورة، فإن إرادة الدنيا قادحة في إرادة اللَّه والدار الآخرة.

ولا يصح للعبد مقام الإرادة حتى يفرد طلبه ومطلوبه، فلا يتقسّم المطلوب ولا الطلب.

أما توحيد المطلوب: فأن لا يتعلّق طلبه وإرادته بغير اللَّه، وما يقرّب إليه ويدني منه.

وأما توحيد الطلب: فأن يستأصل الطلب والإرادة نوازع الشهوات وجواذب الهوى، وتسكن الإرادة في أقطار النفس فتملأها، فلا يدع فيها فضلًا لغير الانجذاب إلى جناب الحق ﷻ، فتمحض الإرادة له، ومتى تمحضت كان الزهد لصاحبها ضرورة، فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ما هو بصدده وقطع مواد طمعه التي هي من أفسد شيء للقلب، بل أصل المعاصي والفساد والفجور كله من الطمع.

فالزهد يقطع موادّه، ويفرغ البال، ويجلي القلب، ويستحث الجوارح، ويذهب الوحشة التي بين العبد وبين ربه، ويجلب الأنس به،

511

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي