عدة الصابرين

وأما نبيُّنا صلوات اللَّه وسلامه عليه، فإن ربّه أرسل إليه يخبره وكان أعلم الخلق باللَّه، فعلم أن ربه ﵎ يحب لقاءه ويختاره له فاختار لقاء اللَّه، ولو علم أن ربه يحب له البقاء في الدنيا لتنفيذ أوامره وإقامة دينه لما اختار غير ذلك، فكان اختياره تابعًا لاختيار ربّه، كما أنه لما خيّره ربه ﷿ بين أن١ يكون مَلِكًا نبيًّا وبين أن يكون عبدًا نبيًّا٢ وعلم أن ربه يختار له أن يكون عبدًا، اختار ما اختاره اللَّه له، فكان اختياره في جميع أموره تابعًا لاختيار اللَّه له.

ولهذا يوم الحديبية احتمل ما احتمل من تلك الشروط٣، ووفّى هذا المقام حقّه. ولم يثبت عليه من كل وجه إلا الصّديق، فلم يكن له اختيار في سوى ما اختار اللَّه له ولأصحابه من تلك الحال التي تقرر الأمر عليها، فكان راضيًا بها مختارًا لها شاهدًا اختيار ربه لها، وهذا غاية العبودية، فشكر اللَّه له ذلك، وجعل شكرانه ما بشره به في أول سورة الفتح حتى هنأه الصحابة به، وقالوا: هنيئًا لك يا رسول اللَّه٤، وحُقَّ له أن يُهَنّأ بأعظم ما هنّئ به بشر صلوات اللَّه وسلامه عليه.

  1. (١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
  2. (٢) سبق تخريجه ص (٥٠٧).
  3. (٣) انظر في ذلك حديث سهل بن حنيف الذي رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١٨١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٨٥).
  4. (٤) رواه أحمد في "مسنده" (٣/ ١٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٥٩)، (٤٦٠).
    وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
516

فصل

ومما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل فقد أحل اللَّه سبحانه رسوله في أعلاها، وخصه بذروة سنامها، فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة -التي تفرقت تلك الخصال وتقاسمتها- على فضلها على غيرها، أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضًا.

فإذا احتجّ به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف، احتجّ به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك.

وإذا احتجّ به الزهاد والمتخلّون عن الدنيا على فضلهم، احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية لإقامة دين اللَّه، وتنفيذ أمره.

وإذا احتج به الفقير الصابر، احتج به الغنى الشاكر.

وإذا احتج به العبّاد على فضل نوافل العبادة وترجيحها، احتجّ به العارفون على فضل المعرفة.

وإذا احتج به أرباب التواضع والحلم، احتج به أرباب العز والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم.

وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة، احتج به أرباب الخُلُق الحسن والمزح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب.

وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب، احتج به أصحاب المداراة والحياء والتكرم أن يبادروا١

  1. (١) في الأصل: "يبادوا" -بسقوط الراء-، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
517

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي