وإن احتج به من سرد الصوم، احتج به من سرد الفطر، فكان يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم١.
وإن احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات، احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا وهو النساء والطيب.
وإن احتج به من لان جانبه وخفض جناحه لنسائه، احتج به من أدبهن وآلمهن وطلّقهن وهجرهن وخيّرهن.
وإن احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه، احتج به من باشرها بنفسه فآجر واستأجر، وباع واشترى، واستسلف، وأدان، ورهن.
وإن احتج به من يجنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به مباشر امرأته وهي حائض بغير الوطء، ومن يقبّل امرأته وهو صائم.
وإن احتج به من رحم أهل المعاصي بالعذر٢، احتج به من أقام عليهم حدود اللَّه، فقطع السارق، ورجم الزاني، وجلد الشارب.
وإن احتج به أرباب الحكم بالظاهر، احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة، فإنه حبس في تهمة، وعاقب في تهمة، وأخبر عن٣ نبي اللَّه سليمان ﵇ أنه حكم بالولد للمرأة بالقرينة
(١) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (١٩٦٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١١٥٥)، كلاهما من حديث عائشة ﵂.
(٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "بالقدر". والأمر محتمل.
(٣) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به١، فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلانه بالقرينة.
وترجم أبو عبد الرحمن٢ على هذا الحديث ترجمتين:
إحداهما: قال: التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أَفْعَل ليستبين به الحق٣.
ثم قال: الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه، إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به٤.
وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن في حياته وبعده:
فقال على للمرأة التي حملت٥ كتاب حاطب: "لتلقين٦ الكتاب أو لأجرّدنك"٧.
وحد عمر بن الخطاب في الزنى بالحبل٨، وفي الخمر
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٧٦٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٢٠)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أي النسائي صاحب السنن.
(٣) سنن النسائي "المجتبى" ص ٨١٢، في ٤٩ - كتاب آداب القضاة، الباب رقم (١٥). و"السنن الكبرى" له أيضًا (٣/ ٤٧٢)، قبل الحديث رقم (٥٩٥٨).
(٤) "السنن الكبرى" (٣/ ٤٧٣) قبل الحديث رقم (٥٩٥٩). وليس هذا التبويب في السنن المجتبى.
(٥) في الأصل: "حكمت"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٦) في النسخ الثلاث الأخرى: "لتخرجن". وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٧) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٠٨١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٤٩٤).
(٨) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٦٨٣٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم =