وشريعته طافحة بذلك لمن تأمّلها، فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل، كما أنه حجة على قضاة السوء، وولاة الجور، واللَّه المستعان١.
والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته، وأتبعهم لها، وباللَّه التوفيق.
(١) توسّع الإمام ابن القيم ﵀ في تقرير ذلك في كتابه: "الطرق الحكمية" ص ٦ - ١٢.
الباب الخامس والعشرون في بيان الأمور المضادة للصبر والمنافية له والقادحة فيه
لما كان الصبر حبسَ اللسان عن الشكوى إلى غير اللَّه، والقلب عن التسخط، والجوارح عن اللطم وشقّ الثياب ونحوها، كان ما يضاده واقعًا على هذه الجملة.
فمنه الشكوى إلى المخلوق، فإذا شكا العبد ربه إلى مخلوق مثله فقد شكا من يرحمه إلى من لا يرحمه، ولا تضاده الشكوى إلى اللَّه كما تقدم١ من شكاية يعقوب إلى اللَّه مع قوله ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾[يوسف: ١٨، ٨٣].
وأما إخبار المخلوِق بالحال، فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرَرِه لم يقدح ذلك في الصبر، كإخبار المريض بشَكاتِه٢، وإخبار المظلوم لمن ينتصر به بحاله، وإخبار المبتلى ببلائه لمن يرجو أن يكون فرجه على يديه.
وقد كان النبي ﷺ إذا دخل على المريض يسأله عن حاله ويقول: "كيف تجدك"٣، وهذا استخبار منه واستعلام لحاله.
وأما الأنين فهل يقدح في الصبر، فيه روايتان عن الإمام أحمد٤.
(١) تقدم ذلك ص (٢٤، ٩٢ - ٩٣).
(٢) العبارة في النسخ الثلاث الأخرى: "كإخبار المريض للطيب بشكايته".
(٣) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٩٨٣) وقال: "حديث حسن غريب"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤٢٦١) من حديث أنس بن مالك ﵁.