عدة الصابرين

والبصير والحي والملك وسائر أسمائه الحسنى من المخلوقين، وأن التفاوت الذي بين صبره سبحانه وصبرهم كالتفاوت الذي بين حياته وحياتهم، وعلمه وعلمهم، وسمعه وأسماعهم، وكذا سائر صفاته.

ولما علم ذلك أعرف خلقه به قال: "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّه"١.

فعِلمُ أرباب البصائر بصبره سبحانه كعلمهم برحمته وعفوه وستره، مع أنه صبر مع كمال علم وقدرة وعظمة وعزة، وهو صبر عن أعظم مصبور عليه، فإنّ مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين ومَن إحسانُه فوق كل إحسان، بغاية القبح وأعظم الفجور وأفحش الفواحش، ونسبته إلى كل ما لا يليق به، والقدح في كماله، وأسمائه وصفاته، والإلحاد في آياته، وتكذيب رسله ومقابلتهم بالسبّ والشتم والأذى، وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم = أمر لا يصبر عليه إلا الصبور الذي لا أحد أصبر منه، ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه.

وإذا أردت أن ترف معرفة صبر الربّ تعالى وحلمه والفرق بينهما، فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ٤١﴾ [فاطر: ٤١]، وقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ٨٨ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ٨٩ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ٩٠ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ٩١﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١] وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ٤٦﴾ [إبراهيم: ٤٦].

  1. (١) سبق تخريجه قريبًا.
535

على قراءة من فتح اللام١.

فأخبر سبحانه أن حلمه ومغفرته يمنعان زوال السماوات والأرض، فبالحلم أمسكهما، وإمساكهما أن تزولا بكفر بني آدم هو الصبر، فبحلمه صبر عن معاجلة أعدائه.

وفي الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال لعظم ما يأتي به العباد، فيمسكها بحلمه ومغفرته، وذلك حبسُ عقوبَتِه عنهم، وهو حقيقة صبره تعالى، فالذي صدر عنه الإمساك هو صفة الحلم، والإمساكُ هو الصبرُ وهو حبس العقوبة، ففرق بين حبس العقوبة وبين ما صدر عنه حبسها، فتأمله.

وفي "مسند" الإمام أحمد مرفوعًا: "ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق بني آدم"٢.

وهذا هو مقتضى الطبيعة؛ لأن كرة الماء تعلو كرة التراب بالطبع، ولكن اللَّه سبحانه يمسكه بقدرته وحلمه وصبره، وكذلك خرور الجبال وتفطر السماوات، الربّ تعالى يحبسها عن ذلك بصبره وحلمه، فإن ما يأتي به الكفار والمشركون والفجار٣ في مقابلة العظمة والجلال

  1. (١) فتح اللام الأولى وضم الثانية هكذا ﴿لِتَزُولَ﴾. وهي قراءة الكسائي.
    فتكون اللام الأولى للتوكيد، كما تقول: إن زيدًا لَيقولُ. انظر: السبعة في القراءات ص ٣٦٣، وحجة القراءات ص ٣٧٩.
  2. (٢) رواه أحمد في "مسنده" (١/ ٤٣)، عن عمر بن الخطاب عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات على الأرض يستأذن اللَّه في أن ينفضح عليهم، فيكفّه اللَّه ﷿".
    وضعفه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (٣٧).
  3. (٣) في الأصل: "والكفار"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
536

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي