والإكرام يقتضي ذلك، فجعل سبحانه في مقابلة هذه الأسباب أسبابًا يحبها ويرضاها ويفرح بها أكمل فرح وأتمّه، تقابل تلك الأسباب التي هي سبب١ زوال العالم وخرابه، فدافعت تلك الأسباب وقاومتها، وكان هذا من آثار مدافعة رحمته لغضبه، وغلبتها له، وسبقها إياه، فغلب أثر الرحمة أثر الغضب كما غلبت الرحمة الغضب.
ولهذا استعاذ النبي ﷺ بصفة الرضا من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة، ثم جمع الأمرين في الذات إذ هما قائمان بها، فقال: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك"٢.
فإن ما يستعاذ به هو صادر عن مشيئته وخلقه بإذنه وقضائه، فهو الذي أذن في وقوع الأسباب التي يستعاذ منها خلقًا وكونًا، وهو الذي يعيذ منها ويدفع شرها خلقًا وكونًا، فمنه السبب والمسبب. وهو الذي حرك الأنفس والأبدان وأعطاها قوى التأثير، وهو الذي أوجدها وأعدّها وأمدّها وسلّطها على ما شاء، وهو الذي يمسكها إذا شاء، ويحول بين قواها وتأثيرها.
فتأمل ما تحت قوله: "أعوذ بك منك" من محض التوحيد، وقطع الالتفات إلى غيره، وتكميل التوكل عليه، والاستعانة به وحده، وإفراده بالخوف والرجاء، ودفع الضرّ وجلب الخير، فهو الذي يمس بالضرّ بمشيئته، وهو الذي يدفعه بمشيئته، وهو المستعاذ بمشيئته من مشيئته،
(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من (ب) و(ن).
(٢) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂.
فهو المعيذ من فعله بفعله، وهو سبحانه الذي خلق ما يصبر عليه، وما يرضى به، فإذا أغضبه معاصي الخلق وكفرهم وشركهم وظلمهم، أرضاه تسبيح ملائكته وعباده المؤمنين له، وحمدهم إياه، وطاعتهم له؛ فيعيذ رضاه من غضبه.
قال عبد اللَّه بن مسعود: "ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه، وإن مقدار يوم من أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم، فينظر فيها ثلاث ساعات، فيطّلع منها على ما يكره فيغضبه ذلك، فأول من يعلم بغضبه حملة العرش يجدونه يثقل عليهم، فتسبّحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، حتى ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء حتى يسمعَ صوته؛ فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات، قال: ثم يُؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات، فذلك قوله ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ١﴾[آل عمران: ٦]، و﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾[الشورى: ٤٩، ٥٠] فتلك تسع ساعات، ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾[الرعد: ٢٦] وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن: ٢٩] قال هذا شأنكم وشأن ربكم".
رواه أبو القاسم الطبراني في "السنة"، وعثمان بن سعيد الدارمي، وشيخ الإسلام الأنصاري، وابن منده، وابن خزيمة، وغيرهم٢.
(١) "يشاء" ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) "نقض عثمان بن سعيد" رقم (١١٤)، و"الرد على الجهمية" لابن منده رقم =