فهو المعيذ من فعله بفعله، وهو سبحانه الذي خلق ما يصبر عليه، وما يرضى به، فإذا أغضبه معاصي الخلق وكفرهم وشركهم وظلمهم، أرضاه تسبيح ملائكته وعباده المؤمنين له، وحمدهم إياه، وطاعتهم له؛ فيعيذ رضاه من غضبه.
قال عبد اللَّه بن مسعود: "ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه، وإن مقدار يوم من أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم، فينظر فيها ثلاث ساعات، فيطّلع منها على ما يكره فيغضبه ذلك، فأول من يعلم بغضبه حملة العرش يجدونه يثقل عليهم، فتسبّحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، حتى ينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء حتى يسمعَ صوته؛ فيسبحون الرحمن ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات، قال: ثم يُؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات، فذلك قوله ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ١﴾[آل عمران: ٦]، و﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ٤٩ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾[الشورى: ٤٩، ٥٠] فتلك تسع ساعات، ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات فذلك قوله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾[الرعد: ٢٦] وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن: ٢٩] قال هذا شأنكم وشأن ربكم".
رواه أبو القاسم الطبراني في "السنة"، وعثمان بن سعيد الدارمي، وشيخ الإسلام الأنصاري، وابن منده، وابن خزيمة، وغيرهم٢.
(١) "يشاء" ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) "نقض عثمان بن سعيد" رقم (١١٤)، و"الرد على الجهمية" لابن منده رقم =
ولما ذكر اللَّه سبحانه في سورة الأنعام أعداءه وكفرهم وشركهم به وتكذيب رسله، ذكر بإثر ذلك شأن خليله إبراهيم، وما أراه من ملكوت السماوات والأرض، وما حاجّ به قومه في إظهار دين اللَّه وتوحيده، ثم ذكر الأنبياء من ذريته وأنه هداهم وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة، ثم قال: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾[الأنعام: ٨٩].
فأخبر أنه سبحانه كما جعل في الأرض من يكفر به، ويجحد توحيده ويكذب رسله، كذلك جعل فيها من عباده من يؤمن بما كفر به أولئك، ويصدق بما كذبوا به، ويحفظ من حرماته ما أضاعوه، وبهذا تماسك العالم العلوي والسفلي، وإلا فلو اتبع الحق أهواء أعدائه لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، ولخرب العالم. ولهذا جعل سبحانه من أسباب خراب العالم رفع الأسباب الممسكة له من الأرض، وهي: كلامه، وبيته، ودينه، والقائمون به، فلا يبقى لتلك الأسباب المقتضية لخراب العالم أسباب تقاومها وتمانعها.
ولما كان اسمه "الحليم" أَدخل في الأوصاف، واسم "الصبور" في الأفعال، كان الحلم أصل الصبر، فوقع الاستغناء به في القرآن١ عن اسم "الصبور"، واللَّه أعلم.
= (٩٠). ولم أقف عليه في السنة للالكائي ولا في ذم الكلام للهروي ولا في التوحيد لابن خزيمة. والأثر رواه أيضًا: أبو الشيخ في "العظمة" رقم (١١١)، (١٤٧)، والطبراني في "الكبير" رقم (٨٨٨٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ١٣٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (٦٧٤).
(١) "في القرآن" ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.