عدة الصابرين

فصل

وأما تسميته سبحانه بالشكور؛ فهو في حديث أبي هريرة١.

وفي القرآن تسميته شاكرًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ١٤٧﴾ [النساء: ١٤٧].

وتسميته أيضا شكورًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ١٧﴾ [التغابن: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ٢٢﴾ [الإنسان: ٢٢].

فجمع٢ لهم سبحانه بين الأمرين: أن شكر سعيهم وأثابهم عليه، واللَّه تعالى يشكر عبده إذا أحسن طاعته، ويغفر له إذا تاب إليه، فيجمع للعبد بين شكره لإحسانه ومغفرته لإساءته، إنه غفور شكور.

وقد تقدم في الباب العشرين ذكر حقيقة شكر العبد، وأسبابه، ووجوهه٣.

وأما شكر الرب تعالى فله شأن آخر، كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة؛ فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والطاعة، فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشرة أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، ويشكر عبدَه بقوله بأن يُثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر

  1. (١) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥٠٧)، وقال: "حديث غريب"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٨٦١).
  2. (٢) في الأصل: "فجمعهم". والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
  3. (٣) ص ٢١٤ وما بعدها.
540

بين عباده ويشكره بفعله، فإذا ترك له شيئا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئا رده عليه أضعافًا مضاعفة، وهو الذي وفقه للترك والبذل، وشكره على هذا وهذا.

ولما عقر نبيه سليمان الخيل غضبًا له إذ شغلته عن ذكره١، فاراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.

ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم منها أن أملكهم الدنيا، وفتحها عليهم.

ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن له، شكر له ذلك بأن مكّنه في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء٢.

ولما بذل الشهداء أبدانهم له حتى مزّقها أعداؤه، شكر لهم ذلك بأن أعاضهم منها طيرًا خضرًا أقرّ أرواحهم فيها ترد أنهار الجنّة وتأكل من ثمارها إلى يوم البعث٣، فيردُّها عليهم أكمل ما تكون وأجمله وأبهاه.

ولما بذل رسله أعراضهم فيه لأعدائهم، فنالوا منهم وسبّوهم، أعاضهم من ذلك أن صلى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء

  1. (١) قال اللَّه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ٣٠ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ٣١ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ٣٢ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ٣٣ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤﴾ [ص: ٣٠ - ٣٤].
  2. (٢) قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦﴾ [يوسف: ٥٦].
  3. (٣) روى مسلم في "صحيحه" رقم (١٨٨٧) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعا: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل. . . " الحديث.
541

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي