عدة الصابرين

في سماواته وبين خلقه، فأخلصهم بخالصة ذكرى الدار.

ومِنْ شُكره سبحانه أنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولو أنه مثقال ذرة.

ومن شُكره: أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، ويخفف به عنه يوم القيامة، فلا يضيّع عليه ما يعمله من الإحسان وهو من أبغض خلقه إليه١.

ومن شكره أنه غفر للمرأة البغيّ بسقيها كلبًا كان قد جهده العطش حتى أكل الثرى٢؛ وغفر لآخر بتنحية غصنِ شوكٍ عن طريق المسلمين٣، فهو سبحانه يشكر العبد على إحسانه إلى نفسه، والمخلوق إنما يشكر من أحسن إليه.

وأبلغ من ذلك أنه هو الذي أعطى العبد ما يحسن به إلى نفسه وشكره عليه، بل شكره على قليله بالأضعاف المضاعفة التي لا نسبة لإحسان العبد إليها، فهو المحسن بإعطاء الإحسان وإعطاء الشكر، فمن أحق باسم الشكور منه سبحانه؟

  1. (١) روى مسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٠٨) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنة، يُعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها".
  2. (٢) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (٣٤٦٧)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٢٤٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.
  3. (٣) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (٢٤٧٢)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٩١٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.
542

وتأمل قوله سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ١٤٧﴾ [النساء: ١٤٧] كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أنّ شكره تعالى يأبى تعذيب عباده سُدى بغير جرم، كما يأبى إضاعة سعيهم باطلًا.

فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء، وفي هذا ردٌّ لقول من زعم أنه يكلف عبده ما لا يطيقه، ثم يعذبه على ما لا يدخل تحت قدرته، تعالى اللَّه عن هذا الظنّ الكاذب والحسبان الباطل علوًّا كبيرًا.

فشُكره سبحانه اقتضى أن لا يعذب المؤمن الشكور ولا يضيع عمله، وذلك من لوازم هذه الصفة، فهو منزه عن خلاف ذلك كما ينزّه عن سائر العيوب والنقائص التي تنافي كماله وغناه وحمده.

ومن شُكْره سبحانه أنه يُخرج العبد من النار بأدنى أدنى مثقال ذرّة من خير١، فلا يضيع عليه هذا القدر.

ومن شكره أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس فيشكره له، وينوه بذكره، ويخبر به ملائكته، وعباده المؤمنين٢، كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه، ونوّه بذكره بين

  1. (١) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (٧٥١٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٩٣) (٣٢٦)، كلاهما من حديث أنس بن مالك ﵁.
  2. (٢) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٧٤٥٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٧٥)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظن عبدي بي. . . " الحديث، وفيه: "وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم".
543

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي