عدة الصابرين

وأن يغفر له خطاياه إذا تاب منها ولا يفضحه بين يديه، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعها، وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما قطع طمعها، وخرقت السبعَ الطباق دعواتُ التائبين والسائلين فسمعها، ووسع الخلائق عفوه ومغفرته ورزقه، فما من دابة في الأرض إلا على اللَّه رزقها، ويعلم مستقزها ومستودعها، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

يجود على عبيده بالنوال قبل السؤال، ويُعطي سائله ومؤمليه فوق ما تعلّقت به منهم الآمال، ويغفر لمن تاب إليه ولو بلغت ذنوبه عدد الأمواج والحصى والتراب والرمال، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها، وأشكر للقليل من جميع خلقه فمن تقرّب إليه بمثقال ذرّة من الخير شكرها وحمدها، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

تعرّف إلى عباده بأوصافه وأسمائه، وتحبّب إليهم بحلمه وآلائه، ولم تمنعه معاصيهم أن جاد عليهم بآلائه، ووعد من تاب إليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه يوم لقائه، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

السعادة كلها في طاعته، والأرباح كلها في معاملته، والمحن والبلايا كلها في معصيته ومخالفته، فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمّن الكتاب

546

الذي كتبه أن رحمته تغلب غضبه١، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

يطاع فيشكر وطاعته من توفيقه وفضله، ويعصى فيحلم ومعصية العبد من ظلمه وجهله، ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له، حتى كأنه لم يكن قط من أهله، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

الحسنة عنده بعشرة أمثالها أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان، والسيّئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران، وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السماوات والأرض إلى آخر الزمان، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

بابه الكريم مناخ الآمال ومحطُّ الأوزار، وسماء عطاياه لا تقلع عن الغيث بل هي مدرار، ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سَحَّاء الليل والنهار، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

لا يُلقى وصاياه إلا الصابرون، ولا يفوز بعطاياه إلا الشاكرون، ولا يهلك عليه إلا الهالكون، ولا يشقى بعذابه إلا المتمرّدون، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

فإياك أيها المتمرد أن يأخذك على غرّة فإنه غيور، وإذا أقمت على معصيته وهو يمدّك بنعمته فاحذره فإنه لم يهملك لكنه صبور، وبشراك أيها المحسن التائب بمغفرته ورحمته، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ٣٤﴾.

ومن علم أن الرب شكور تنوع في معاملته، ومن عرف أنه واسع

  1. (١) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٣١٩٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٧٥١)، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لما خلق اللَّه الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي".
547

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي