وقال أبو محمد الجُرَيري٤: "الصبر أن لا تُفرّق بين حَالِ النّعمةِ والمحنةِ مع سكون الخاطر فيهما"٥.
قلت: وهذا غير مقدور ولا مأمور، فقد ركَّب اللَّه الطّباع على التفريق بين الحالتين، وإنما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد.
وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر، كما قال النبي ﷺ في الدعاء المشهور: "إن لم يكن بك غَضَبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتَك
(١) هو أبو علي الحسن بن علي النيسابوري الدقاق، شيخ الصوفية بنيسابور، توفي ﵀ سنة ست وأربعمائة. انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٢٤٦)، و"شذرات الذهب" (٣/ ١٨٥).
(٢) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦.
(٣) لم أجده مسندًا ونسبه إليه القشيري في "رسالته" ص: ٢٥٦، والثعالبي في "التمثيل والمحاضرة" ص: ٣٥، والزمخشري في "ربيع الأبرار ونصوص الأخبار" (٣/ ٩٤) وغيرهم.
(٤) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن حسين الجريري الزاهد، شيخ الصوفية، ولما توفي الجنيد أجلسوه مكانه، توفي ﵀ سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. انظر ترجمته في "حلية الأولياء" (١٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٤٦٧).
أوسعُ لي"١، ولا يناقض هذا قولَه ﷺ: "وما أُعطِي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصّبرِ"٢؛ فإن هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له منه.
وقال أبو علي الدّقاق: "حد الصبر ألا تعترض على التقدير. فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر. قال اللَّه تعالى في قصة أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾[ص: ٤٤] مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾[الأنبياء: ٨٣] "٣.
قلت: فسر اللفظة بلازمها.
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" -قطعة من الجزء ١٣، ص ٧٣ رقم (١٨١) -، وفي "الدعاء" رقم: (١٠٣٦)، ومن طريقه أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢)، والضياء في "المختارة" (٩/ ١٨٠ - ١٨١)، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (٢/ ٢٧٥)، وابن منده في "جزء ترجمة الطبراني" ص: ٣٤٦. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ١١١)، كلاهما -أي الطبراني وابن عدي- من طريق محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن جعفر ﵁ به. قال ابن عدي: "وهذا حديث أبي صالح الراسبي لم نسمع أن أحدًا حدّث بهذا الحديث غيره، ولم نكتبه إلا عنه". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٣٥): "رواه الطبراني وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات".
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (١٤٦٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم: (١٠٥٣)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٩، و"شرح النووي على مسلم" (٣/ ١٠٢)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٢/ ١١٨).