أوسعُ لي"١، ولا يناقض هذا قولَه ﷺ: "وما أُعطِي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصّبرِ"٢؛ فإن هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له منه.
وقال أبو علي الدّقاق: "حد الصبر ألا تعترض على التقدير. فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر. قال اللَّه تعالى في قصة أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾[ص: ٤٤] مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾[الأنبياء: ٨٣] "٣.
قلت: فسر اللفظة بلازمها.
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" -قطعة من الجزء ١٣، ص ٧٣ رقم (١٨١) -، وفي "الدعاء" رقم: (١٠٣٦)، ومن طريقه أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢)، والضياء في "المختارة" (٩/ ١٨٠ - ١٨١)، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (٢/ ٢٧٥)، وابن منده في "جزء ترجمة الطبراني" ص: ٣٤٦. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ١١١)، كلاهما -أي الطبراني وابن عدي- من طريق محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن جعفر ﵁ به. قال ابن عدي: "وهذا حديث أبي صالح الراسبي لم نسمع أن أحدًا حدّث بهذا الحديث غيره، ولم نكتبه إلا عنه". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٣٥): "رواه الطبراني وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات".
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (١٤٦٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم: (١٠٥٣)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٩، و"شرح النووي على مسلم" (٣/ ١٠٢)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٢/ ١١٨).
وأما قوله: "على غير وجه الشكوى"؛ فالشكوى نوعان:
أحدهما: الشكوى إلى اللَّه، فهذا لا ينافي الصبر؛ كما قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾[يوسف: ٨٦] مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾[يوسف: ١٨، ٨٣].
وقال أيوب ﵇: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾[الأنبياء: ٨٣] مع وصف اللَّه له بالصّبر.
وقول موسى ﷺ: "اللهم لك الحمد، وإليك المُشْتكى، وأنت المُسْتعان، وبك المُسْتغاث، وعليك التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك"٢.
والنوع الثاني: شكوى المُبتلى بلسان الحال أو المقال، فهذا لا
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (٣٣٩٤)، وفي "الصغير" رقم (٣٣٩)، والخرائطي في "فضيلة الشكر" رقم (١١). عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بها موسى ﵇ حين جاوز البحر ببني إسرائيل؟ فقلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: قولوا: اللهم لك الحمد. . . ". فذكره دون قوله: "وبك المستغاث وعليك التكلان". وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٦٠٤): "رواه الطبراني في "الصغير" بإسناد جيد". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٨٣): "رواه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير" وفيه من لم أعرفهم".