وكثير من الناس يصبر عن النظر، وعن الالتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعفُ شيء عن هذا وأعجزُه.
وأكثرهم لا صبر له على واحد من النّوعين، وأقلهم أصبرهم في الموضعين.
وقيل: "الصبر: ثباتُ باعثِ العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والطّبع١ "٢.
ومعنى هذا: أن الطبع يتقاضى ما يُحبّ، وباعث العقل والدين يمنع منه، والحرب قائمة بينهما وهي سجال، ومعركة هذا الحرب قلب العبد. والصبر: الشجاعة والثبات٣.
(١) في النسخ الأخرى: "الهوى والشهوة"، مكان: "الشهوة والطبع". وفي "الإحياء": "باعث الشهوة".
(٢) قاله الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٤، ٥٦).
(٣) انظر: "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٤). وفيه: "ومعركة هذا القتال. . ".
الباب الثالث في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه
لما كان الصبر المحمود١ هو: الصبر الئفساني الاختياريّ عن إجابة داعي الهوى المذموم، كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه٢:
فإنه إن كان صبرًا عن شهوة الفرج المحرمة سُمي عفة، وضدها الفجور والزنى والعُهر.
وإن كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول ما لا يَحِلُّ منه سُمي شَرَفَ نفْس وشِبَع نفْس، وسُمي ضده شَرَهًا ودناءة ووضاعةَ نفْس.
وإن كان عن إظهار ما لا يَحسن إظهاره من الكلام سُمي كتمانَ سرّ، وضده إذاعة وإفشاء أو تهمة أو فحشًا أو سبًّا أو كذبًا أو قذفًا.
وإن كان عن فضول العيش سُمي زهدًا، وضده حرصًا.
(١) في الأصل: "المذموم"، وهو خطأ. والتصويب من النسخ الأخرى.
(٢) هذه المراتب والأسماء الآتية التي ذكرها المصنف ﵀ هنا -والتي سوف يفصلها فيما بعد- أصلها من كتاب الغزالي "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٧). وقوله: "لما كان الصبر المحمود هو: الصبر النفساني الاختياري. . . " الخ. فالصبر المحمود يقابله الصبر المذموم، وسيأتي ذلك في الباب العاشر. ثم الصبر النفساني يقابله الصبر البدني، وسياتي ذلك في الباب الخامس. وكذلك الصبر الاختياري يقابله الصبر الاضطراري، وسيأتي ذلك في الباب الخامس والباب التاسع، وكذلك في أثناء الباب الثالث عشر. وبهذا يتضح معنى هذه الجملة واللَّه أعلم.