عدة الصابرين
يُراد من القلب نسيانُكموتأبى الطباعُ على النّاقِل١

وقال الآخر:

يا أيُّها المتحلّي غيرَ شِيمَتهإن التخلُّقَ يأتي دونه الخُلُق٢

وقال الآخر:

فَضَحَ التطبُّعُ شيمةَ المطبوع٣

قالوا: وقد فرغ اللَّهُ سبحانه من الخَلْق، والخُلُق، والرزق، والأجل.

وقالت طائفة أخرى: بل يمكن اكتساب الخُلُق كما يُكتسَب العقل والحلم والجود والسخاء والشجاعة. والوجود شاهد بذلك.

قالوا: والمُزاولات تُعطي الملَكات.

  1. (١) البيت للمتنبي. انظر: "ديوان المتنبي" مع الشرح المنسوب إلى العكبري ص: ٢٢.
  2. (٢) البيت هكذا بشطريه في النوادر ٤٨٩ لأبي زيد. و"الكامل" للمبرد (١/ ١٦). منسوبًا إلى سالم بن وابصة، ونُسِبَ للعرجي مُركبًا من بيتين هكذا:
    يا أيها المتحلي غير شيمته … ومن شمائله التبديل والمَلقُ
    ارجع إلى خُلقك المعروف ديْدَنُه … إن التخلّق ياتن دونه الخُلُقُ
    انظر: "البيان والتبيين" للجاحظ (١/ ٢٣٣)، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه (٢/ ٣١٩)، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص ٣٨٧.
  3. (٣) عجز بيت للشريف الرضي وصدره:
    هيهات لا تتكلفن لي الهوى
    وهو في "ديوانه" (١/ ٦٥٢).
32

ومعنى هذا: أن من زاول شيئًا واعتاده وتمرن عليه صار ملَكةً له وسجية وطبيعة.

قالوا: والعوائدُ تنقل الطّبائع؛ فلا يزال العبد يتكلف التصبُّر حتى يصير الصبر له سجية، كما أنه لا يزال يتكلف الحلم والوقار والسكينة والثبات حتى تصير له أخلاقًا بمنزلة الطبائع.

قالوا: وقد جعل اللَّه سبحانه في الإنسان قوة القبول والتعلم والتهيؤ للكمال١، فنقل الطبائع عن مقتضياتها غير مستحيل، غير أن هذا الانتقالَ قد يكون ضعيفًا فيعود العبد إلى طبعه بأدنى باعث، وقد يكون قويًّا ولكن لم ينتقل الطبع انتقالًا تامًّا٢، فقد يعود إلى طبعه إذا قوي الباعث واشتد، وقد يستحكم الانتقال بحيث يستحدث صاحبُه طبعًا ثانيَا، فهذا لا يكاد يعود إلى طبعه الذي انتقل عنه.

وأما الاصْطبار فهو أبلغ من التصبُّر؛ فإنه افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب، فالتصبر مبدأ الاصطبار، كما أن التكسب مقدمة الاكتساب، فلا يزال التصبُّر يتكرر حتى يصير اصطبارًا.

وأما المُصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر؛ فإنها مفاعلة تستدعي وقوعَها بين اثنين كالمُشاتمة والمُضاربة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في التصبُّر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على التصبُّر والمصابرة، فقد

  1. (١) قوله: "والتهيؤ للكمال" ليس في (ب).
  2. (٢) قوله: "انتقالًا تامًّا" ليس في (ب).
33

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي