يصبر١ العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبُّد بالتقوى، فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك٢ كله التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠﴾[آل عمران: ٢٠٠]؛ فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يُخاف هجوم العدوّ منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته.
(١) في الأصل: "بعد تصبر" وهو تصحيف.
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
الباب الخامس في أقسامه١ باعتبار محله٢
الصبر ضربان: ضرب بدني، وضرب نفساني، وكلٌّ منهما نوعان: اختياري، واضطراري، فهذه أربعة أقسام:
الأول: البدنى الاختياريّ، كتعاطي الأعمال الشاقّة على البدن اختيارًا وإرادة.
الثاني: البدنيّ الاضطراريّ، كالصّبر على ألم الضرب والمرض والجراحات والبرد والحرّ وغير ذلك.
الثالث: النّفسانيّ الاختياريّ، كصبر النَّفْس عن فعل ما لا يَحسُنُ فعلُه شرعًا ولا عقلًا.
الرابع: النّفسانيّ الاضطراريّ، كصبر النّفس عن محبوبها قهرًا إذا حِيل بينها وبينه.
فإذا عرفت هذه الأقسام فهي مختصة بنوع الإنسان دون البَهائم، وتشاركه البهائم٣ في نوعين منها وهما: صَبْر البدن والنَّفس الاضطراريين، وقد يكون بعضُها أقوى صبزا من الإنسان، وإنما تميّز الإنسان عنها بالنّوعين الاختياريين.
(١) في (ب): "انقسامه".
(٢) قارن هذا الباب بـ "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٧)، (٦٠ - ٦٢). وسيأتي الكلام على الصبر الاختياري والاضطراري في الباب التاسع، وكذلك في أثناء هذا الباب.
(٣) في (م) و(ن): "ومشاركة البهائم" وفي (ب): "ومشاركته للبهائم".