نور الهداية يلوحُ عليه عند أول سنّ التمييز وينمو على التدريج إلى سنّ البلوغ، كما يبدو خيط الفجر ثم يتزايد ظهورُه، ولكنها هداية قاصرة غير مستقلة بإدراك مصالح الآخرة ومضارِّها، بل غايتها تعلقها ببعض مصالح الدنيا ومفاسدها، فإذا طلعت عليه شمس النبوة والرسالة وأشرق عليه نورُها رأى في ضوئها تفاصيلَ مصالح الدارين ومفاسدهما فتَلَمَّح العواقب، ولبس لأمة الحرب١، وأخذ أنواع الأسلحة، ووقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى، والمنصورُ من نصره اللَّه، والمخذول من خذله اللَّه، ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزلَ في إحدى المنزلتين، ويصيرَ إلى ما خُلِق له من الدارين.
الباب السادس في بيان أقسامه بحسب اختلافِ قُوّتِه وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه
باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال١:
أحدها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين فيُردّ جيشُ الهوى مفلولًا، وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه الرُّتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وهم الذين قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾[فصلت: ٣٠]، وهم الذين يقول لهم الملائكةُ عند الموت: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾[فصلت: ٣٠، ٣١]، وهم الذين نالوا معية اللَّه مع الصابرين، وهم الذين جاهدوا في اللَّه حق جهاده، فخصهم بهدايته دون من عداهم.
الحالة الثانية: أن يكون القَهْرُ٢ والغلبةُ لداعي الهوى فتَسْقُطُ منازعةُ باعث٣ الدين بالكلية، فيستسلم البائس للشيطان وجندِه فيقودونه حيث شاءوا، وله معهم حالتان:
إحداهما: أن يكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال الفاجر٤ الضعيف.
(١) انظر هذه الأحوال في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٨ - ٥٩).
(٢) في (ب): القوة.
(٣) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى، ومن إحياء علوم الدين.