عدة الصابرين

فصل

الحالة الثالثة١: أن تكون الحرب سجالًا ودولًا بين الجندين، فتارة له وتارة عليه، وتكثر نوبات الانتصار وتقلُّ، وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا.

وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاثة سواء بسواء؛ فمن الناس من يَدخُل الجنة ولا يدخُل النار، ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة.

وهذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس في الصحة والمرض، فمن الناس من تقاوم قوَّتُه داءه فتقهره ويكون السلطان للقوة، ومنهم من يقهر داؤُه قوَّتَه ويكون السلطان للداء، ومنهم مَن الحرب بين دائه وقوتِه نوبًا، فهو متردد بين الصحة والمرض.

  1. (١) سبق ذكر الحالة الأولى والثانية في بداية هذا الباب.
45

فصل

ومن الناس من يصبر بجَهد ومشقة، ومنهم من يصبر بأدنى حمْلٍ على النفس.

ومثال الأول: كرجل صارع رجلًا شديدًا فلا يقهره إلا بتعب ومشقة.

والثاني: كمن صارع رجلًا ضعيفًا فإنه يصرعُه بغير مشقة.

فهكذا تكون المصارعة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان، ومن صرَع جند الشيطان صرَع الشيطان.

قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "لقي رجلٌ من الإنس رجلًا من الجن، فصارعه الإنسيّ١، فصرَعه الإنسي، فقال: ما لي أراك ضئيلًا؟ فقال: إني من بينهم لضليع". فقالوا: هو عمر بن الخطاب ﵁؟ فقال: "من ترونه غير عمر"؟٢.

  1. (١) هذه الكلمة ليست في النسخ الأخرى، ولا في مصادر التخريج، والأولى حذفها.
  2. (٢) أخرجه الدارمي في "مسنده" رقم (٣٤٢٤)، والطبراني في "الكبير" رقم (٨٨٢٦)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ١٢٣).
    وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٧١) ورواية أخرى له، ثم قال: "رواهما الطبراني بإسنادين، ورجال الرواية الثانية رجال الصحيح، إلا أن الشعبي لم يسمع من ابن مسعود، ولكنه أدركه، ورواة الطريق الأولى فيهم المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط؛ فبان لنا صحة رواية المسعودي برواية الشعبي".
    وقال الدارمي عقبه: "الضئيل: الرقيق. . . والضليع: جيّد الأضلاع".
46

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي