عدة الصابرين

وقال بعض الصحابة: "إن المؤمن يُنضي١ شيطانَه كما يُنضي أحدُكم بعيره في السّفر"٢.

وذكر ابن أبي الدنيا عن بعض السلف: "أن شيطانًا لقي شيطانًا فقال: ما لي أراك شخّيتًا٣ فقال: إني مع رجل إن أكل ذكر اسم اللَّه فلا آكل معه، وإن شرب ذكر اسم اللَّه فلا أشرب معه، وإن دخل بيته ذكر اسم اللَّه فأبيتُ خارج الدار. فقال: لكني مع رجل إن أكل لم يسم اللَّه فآكل أنا وهو جميعًا، وإن شرب لم يسم اللَّه فأشرب معه، وإن دخل دارَه لم يسم اللَّه فأدخل معه، وإن جامع امرأته لم يسم اللَّه فأجامعها معه"٤.

فمن اعتاد الصبر هابه عدوُّه، ومن عزّ عليه الصبر طمع فيه عدوُّه، وأوشك أن ينال منه غرضه.

  1. (١) ذكره ابن الأثير في "النهاية" (٥/ ٧٢)، ثم قال: "أي يهزله ويجعله نِضْوًا، والنِّضْو: الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها".
  2. (٢) لم أجده موقوفًا، وقد روي مرفوعا عن أبي هريرة ﵁: أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٣٨٠). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١١٦): "رواه أحمد وفيه ابن لهيعة".
    وقال المناوي في "فيض القدير" (٢/ ٣٨٥): "فيه أيضًا سعيد بن شرحبيل، أورده الذهبي في "الضعفاء" وعده من المجاهيل، وفي الميزان قال أبو حاتم: مجهول. وموسى بن وردان ضعّفه ابن معين، ووثقه أبو داود".
  3. (٣) الشّخْتُ والشّخّيت: النّحيف الجسم الدقيقه. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٤٥٠).
  4. (٤) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" رقم (١٩٥٦٥)، والخطابي في "غريب الحديث" (٢/ ٤٦٣)، والطبراني في "الكبير" رقم: (٨٧٨٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٥٨٣٣) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ موقوفًا.
    وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٢): "رواه الطبراني موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح".
47

الباب السابع في ذِكْرِ أقسامه باعتبار متعلَّقه

الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام١:

صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها.

وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها.

وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.

وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في: "فتوح الغيب": "لا بد للعبد من أمر يفعله، ونهيٍ يجتنبه، وقدَرٍ يصبر عليه"٢.

وهذا الكلام يتعلق بطرفين: طرف من جهة الرب تعالى، وطرف من جهة العبد.

فأما الذي من جهة الرب، فهو: أن اللَّه تعالى له على عبده حكمان: حكم شرعي ديني، وحكم كوني قدري؛ فالشرعي متعلق بأمره، والكوني متعلق بخلقه، وهو سبحانه له الخلق والأمر.

وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب، فإنّ المطلوب إنْ

  1. (١) انظر هذا التقسيم للصبر في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٠، ٦١، ٦٢).
  2. (٢) "فتوح الغيب" ص ٦. ونصُّ كلامه: "لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يتعلق به، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به".
    وذكر ذلك عنه شيخ الإِسلام كما في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٤٥٥)، ثم علّق عليه بقوله: "هذا كلام شريف جامع، يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد. . . ".
48

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي